الاستشراف والسيادة

نقطة التفرد التقني: فكرة عمرها ستون عامًا تحتاج إلى فحص

من «انفجار الذكاء» عند جود إلى تقديرات كرزويل: ما الذي قيل فعلًا، وما الافتراضات الصامتة خلف الفكرة، وأين الخطر الأقرب؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رجل يلمس رمزًا رقميًّا لذكاء اصطناعي بأطراف أصابعه

كبسولة نانودقيقة واحدة

«التفرد التقني» فكرة تقول إنّ آلةً تحسّن نفسها قد تُطلق دورة تسارع يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي البشر. صاغ إرفنغ جود (I. J. Good) تصوّرها عام 1965 بعبارة «انفجار الذكاء»، وسمّاها فيرنور فينج (Vernor Vinge) «التفرد» عام 1993، وقدّر راي كرزويل (Ray Kurzweil) موعدها بعام 2045. غير أنّ هذه تقديرات أصحابها لا حقائق؛ فالمنحنيات الأسّية كثيرًا ما تنحني، وتضاعف الحوسبة لا يعني بالضرورة ذكاءً أعمق. ويبقى الخطر الأقرب في أن نفوّض قراراتٍ لا نفهم منطقها، وأن تتركّز القدرة بيد قلّة، فالسؤال النافع: أين نضع الحدّ الذي نمسك عنده بزمام القرار؟

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

كتب الرياضي البريطاني إرفنغ جون جود عام 1965 أنّ الآلة «فائقة الذكاء» التي تفوق كل نشاط عقلي للإنسان مهما بلغت براعته ستستطيع تصميم آلاتٍ أفضل منها، فيحدث «انفجار في الذكاء» يترك عقل الإنسان بعيدًا خلفه. ثم أضاف جملةً يكاد يحذفها الناقلون: إنّ هذه الآلة هي آخر اختراع يحتاج إليه الإنسان، بشرط أن تكون طيّعة بما يكفي لتدلّنا على كيفية ضبطها.

ثلاثة أسماء وثلاثة تقديرات

في مارس 1993 قدّم فيرنور فينج ورقته في ندوة برعاية «ناسا»، وافتتحها بقوله: خلال ثلاثين سنة سنملك الوسائل التقنية لصنع ذكاء فوق بشري. وقال إنه سيُدهش إن وقع ذلك قبل 2005 أو بعد 2030، وسمّى المنعطف «تفردًا» بمعنى نقطة تُطرح عندها نماذجنا المألوفة ويحكمها واقعٌ جديد. وفي 2005 نشر كرزويل «التفرد قريب» وقدّر عام 2045، وتوقّع اجتياز الحاسوب اختبار تورنغ نحو 2029. وصدر كتابه اللاحق «التفرد أقرب» عام 2024. وكلها تقديرات أصحابها، فلا يصحّ عرضها حقائق.

ثلاثة افتراضات صامتة

أولًا: أنّ تسارع الحوسبة يعني تسارع الذكاء. رصد غوردون مور عام 1965 أنّ عدد الترانزستورات في وحدة المساحة يتضاعف سنويًّا، ثم عدّله عام 1975 إلى كل سنتين. هذا وصفٌ لكثافة الرقائق لا لذكاء الآلات. وتشير ملخصات كتاب كرزويل إلى أنه نفسه يقرّ بأنّ القدرة الحاسوبية وحدها لا تصنع الذكاء الاصطناعي، وأنّ فهم الذكاء البشري وجودة الخوارزميات شرطان أيضًا. وتفيد بيانات «مؤشر الذكاء الاصطناعي» لعام 2025 بأنّ الحوسبة المستعملة في تدريب النماذج البارزة تتضاعف نحو كل خمسة أشهر؛ لكنّ زيادة المُدخَل لا تُثبت زيادة المعنى في المُخرَج.

ثانيًا: أنّ المنحنى الأسّي لا ينحني. يعترض باحثون، منهم بول ديفيز (Paul Davies) وثيودور موديس (Theodore Modis)، بأنّ كثيرًا مما بدا أسّيًّا، كالسكان وإنتاج النفط، تحوّل إلى منحنى لوجستي يسطّح. ولم يثبت أحدٌ أنّ الذكاء استثناءٌ من هذه القاعدة، فالجزم بدوام التسارع تخمين.

ثالثًا: أنّ الأداء فهم. حجة «الغرفة الصينية» لجون سيرل (John Searle) عام 1980 ترى أنّ تشغيل برنامج لا يكفي وحده لإنتاج فهم، لأنّ معالجة الرموز بحسب شكلها لا تمنح معناها. وهي حجة محلّ جدل واسع بين الفلاسفة، فلا نعدّها حكمًا نهائيًّا، لكنها تذكّرنا بأنّ «يتصرف كالذكي» و«يفهم» عبارتان مختلفتان.

الخطر الذي لا ينتظر الموعد

لا يلزم أن «ينفجر الذكاء» حتى تتغير سوق العمل أو تتركّز القوة. فقد أنتجت الشركات نحو 90% من النماذج البارزة عام 2024 بحسب «مؤشر الذكاء الاصطناعي» (55 نموذجًا من الصناعة ولا نموذج من الجامعات)، وأنتجت الولايات المتحدة 40 نموذجًا مقابل 15 للصين و3 لأوروبا. فمن يملك الحوسبة والبيانات يملك مفاتيح القرار: متى يُطلَق نظام، وبأي قيم يُضبط، ولمصلحة من يعمل.

وهنا نقترح قراءةً: قد يكون «التفرد» الأقرب تفرّد السلطة لا تفرّد الذكاء. يتسلل حين نُحيل كسلًا أو طمعًا في السرعة قراراتٍ تمسّ الناس، كالتوظيف والقروض، إلى أنظمة لا نفهم منطقها، فتتبخّر المساءلة بين مطوّرٍ ومشغّلٍ ومستعمل.

ما العمل؟

  • نقرأ التقديرات بعين الأدلة: من قال؟ على أي بيانات؟ وماذا يربح من الاهتمام بقوله؟
  • نُبقي لكل قرارٍ مصيري إنسانًا مسؤولًا قادرًا على الاعتراض والتصحيح.
  • نستثمر فيما نتفوّق به: الحكم الأخلاقي، وفهم السياق، وطرح السؤال الصحيح.

وسواء صدقت تقديرات كرزويل أم لم تصدق، فإنّ ما سيكون في الغد علمه عند الله وحده، والمطلوب منا الأخذ بالأسباب: أن نفهم ما نبني، وأن نُحاسب من يبني، وأن نحتفظ بقرارنا.

المراجع

  1. I. J. Good, Speculations Concerning the First Ultraintelligent Machine, Advances in Computers 6 (1965), as quoted and traced by Quote Investigator
  2. V. Vinge, The Coming Technological Singularity: How to Survive in the Post-Human Era, VISION-21 Symposium, NASA Lewis Research Center (1993)
  3. The Singularity Is Near (R. Kurzweil, Viking, 2005): summary and critiques
  4. Linda Hall Library, Scientist of the Day: Gordon Moore
  5. Stanford Encyclopedia of Philosophy, The Chinese Room Argument
  6. Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025