العمل والمهارات

التبنّي الواعي للذكاء الاصطناعي: خمس ركائز قبل الاستعجال

يُقاس التقدّم عادةً بعدد الأدوات المنشورة، فماذا تقول الأدبيات عمّا يصنع الفرق حقًّا؟ وما الذي يضيع حين نُؤتمت كل ما يمكن أتمتته؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

طلاب يعملون على حواسيب محمولة في قاعة دراسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

يُقاس تقدّم المؤسسات غالبًا بعدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي نشرتها، لكنّ الأدلة تشير إلى أنّ الأثر يتبع طريقة العمل لا عدد الأدوات. فقد وجد مسح لشركة «ماكنزي» (McKinsey) أنّ إعادة تصميم سير العمل أكثر العوامل ارتباطًا بالأثر في الأرباح، ومع ذلك قالت 21% فقط من المؤسسات المستعملة إنها أعادت تصميم بعض سير عملها جذريًّا. وبيّنت ليزان بينبريدج (Lisanne Bainbridge) عام 1983 أنّ الأتمتة تترك للإنسان أصعب المهام وتُضعف مرانه عليها. ومن هنا خمس ركائز: الغاية قبل الأداة، والتفسير حيث يمسّ القرار إنسانًا، والتدرّج المراقَب، وصيانة كفاءة الإنسان، والقيمة الإنسانية محكًّا أخيرًا.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

بين 16 و31 يوليو 2024 سألت «ماكنزي» 1,491 مشاركًا في 101 دولة عمّا يفرّق المؤسسات التي ترى أثرًا ماليًّا للذكاء الاصطناعي التوليدي من غيرها. اختبرت 25 عاملًا، فكان أقواها ارتباطًا بالأثر في الأرباح إعادة تصميم سير العمل، لا عدد الأدوات ولا حجم الإنفاق. ومع ذلك قال 21% فقط من المؤسسات المستعملة له إنها أعادت تصميم بعض سير عملها جذريًّا. والارتباط هنا إحصائي لا يثبت السببية، لكنه يلمّح إلى أنّ السؤال الأهم ليس «كم أداة اشترينا؟».

حين تُضاف الآلة إلى بنيةٍ لم تُصمَّم لها

الشائع أن نُدخل الأداة في العمل القائم ونحسب المكسب فورًا. غير أنّ لهذا الحساب بندًا خفيًّا. ففي ورقة لسكالي (D. Sculley) وزملائه عام 2015 وُصف ما سُمّي «الدَّين التقني الخفي» في أنظمة التعلّم الآلي: بناؤها سريع، لكنّ صيانتها تحمل كلفًا مستمرة بسبب تشابك المكوّنات وحلقات التغذية الراجعة المخفية والاعتماد على البيانات. فالمكسب الأول قد يكون قرضًا لا ربحًا.

مفارقة الأتمتة

كتبت عالمة النفس ليزان بينبريدج (Lisanne Bainbridge) عام 1983 أنّ أتمتة معظم العمل تُنشئ مشكلات جديدة وحادّة: يبقى للإنسان ما تعجز الآلة عن أدائه، وتقلّ فرص تمرّنه على مهارته، وتصير مراقبة الآلة مهمة مُجهِدة. وخلصت إلى أنّ المشغّلين يحتاجون إلى تدريب أكثر لا أقل، استعدادًا للتدخّل النادر الحاسم.

وتؤيّد ذلك أدبيات «التحيّز للأتمتة»: ففي مراجعة لباراسورامان ومانزي (Parasuraman & Manzey) عام 2010 ظلّ الاتكال الزائد على الأنظمة قائمًا رغم التدريب والتعليمات. ولذلك تشترط المادة الرابعة عشرة من قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي أن تُصمَّم الأنظمة عالية المخاطر بحيث يتمكّن المشرف البشري من إدراك ميله إلى الإفراط في الاعتماد على مخرجاتها، ومن تجاهل المخرَج أو عكسه أو إيقاف النظام.

خمس ركائز

تعرض نبساي (npsai)، المبادرة الداعمة للقطاع غير الربحي، منهجيةً في التبنّي قوامها الركائز الآتية، ونقرؤها هنا على ضوء ما سبق:

  1. الغاية قبل الأداة: نبدأ من المشكلة الإنسانية، ثم نسأل: أهذه التقنية أنسب جواب أم لا؟
  2. التفسير حيث يمسّ القرارُ إنسانًا: تنصّ مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على الشفافية وقابلية التفسير والمساءلة، فلا يُقبل قرار مصيري يعجز أصحابه عن شرحه.
  3. التدرّج المراقَب: مراحل قابلة للقياس والتراجع، لا انتقال واحد لا رجعة فيه.
  4. صيانة الكفاءة البشرية: تدريب الناس بالتوازي مع تبنّي الأداة، حتى لا يضمر الحكم تحت وطأة الاتكال.
  5. القيمة الإنسانية محكًّا أخيرًا: تُعرض كل أداة على سؤال: ماذا بقي للإنسان من سيادته على قراره؟

ليس دعوةً إلى التباطؤ

الامتناع عن أداةٍ ثبت نفعها في ميدانٍ بعينه ليس حكمة، بل تفريطٌ في فائدة حقيقية. والمنهج الرصين يُميّز: حيث تتفوّق الآلة بدليل تُعطى الصدارة، وحيث يلزم الحكم والتعاطف والمسؤولية يبقى الإنسان صاحب القرار، وحيث يتكاملان يُصمَّم التعاون عمدًا. وحقّ هذا التمييز أن يستند إلى قياس لا إلى الحدس.

كيف نعرف أنّ الوعي حقيقي؟

يقترح أصحاب المنهجية أن يُقاس نجاح التبنّي بثلاثة أبعاد لا ببعد واحد: كم رفع الكفاءة، وكم حفظ القيمة، وكم ترك للإنسان من سيادة على قراره. وهذه رؤية مقترحة لا نتيجة مثبتة؛ ولم نجد تقييمًا مستقلًّا لأثر هذه المنهجية بعينها، فالحكم عليها يكون بالتجربة والقياس في كل مؤسسة.

وليس كل خطاب عن «التبنّي الواعي» صادقًا. فالوعي يظهر في قرارٍ يُتَّخذ حين يتعارض ربحٌ عاجل مع قيمةٍ باقية، لا في مبادئ تُعلَّق على الجدران. والقرار الذي يمسّ الناس أمانةٌ يُسأل عنها صاحبها، مهما كانت الأداة ذكية.

المراجع

  1. McKinsey, The state of AI: How organizations are rewiring to capture value (12 March 2025)
  2. L. Bainbridge, Ironies of Automation, Automatica 19(6): 775–779 (1983)
  3. D. Sculley et al., Hidden Technical Debt in Machine Learning Systems, NIPS 2015
  4. R. Parasuraman & D. Manzey, Complacency and Bias in Human Use of Automation: An Attentional Integration, Human Factors 52(3): 381–410 (2010)
  5. EU Artificial Intelligence Act, Article 14: Human oversight
  6. OECD AI Principles (adopted 2019, updated 2024)