الاستشراف والسيادة

متى يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى الإنسان؟ سؤالٌ يخفي سؤالًا أنفع

المواعيد المقدَّرة تتراوح بين سنوات قليلة وعقود، و«مستوى الإنسان» نفسه لا يعني شيئًا واحدًا. فما السؤال الذي يمكن أن نجيب عنه اليوم؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رأس بشري من دارات إلكترونية تتوسطه عبارة الذكاء الاصطناعي

كبسولة نانودقيقة واحدة

يُسأل كثيرًا: متى يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى الإنسان؟ والسؤال أغمض مما يبدو، لأن «مستوى الإنسان» لا يعني شيئًا واحدًا؛ فقد اقترح باحثون عام 2023 تدريجًا يقيس عمق القدرة وعمومها معًا. وتتباين التقديرات تباينًا واسعًا: ففي استطلاع شمل 2,778 باحثًا كان الاحتمال 50% أن تتفوق الآلات على البشر في كل مهمة بحلول 2047، وتنبّه مراجعات نقدية إلى أن أصحاب هذه التقديرات ليسوا خبراء في التنبؤ. وفي الأثناء تتفوق النماذج في اختبارات وتتأخر في أخرى. فالأنفع من انتظار موعد غيبيٍّ أن نسأل: ما الذي نفوّضه للآلة اليوم، ومن يُسأل عن قرارها؟

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في مطلع ورقته عام 1950 سأل آلان تورينغ (Alan Turing): «هل تستطيع الآلات أن تفكّر؟»، ثم رأى أن تعريف «الآلة» و«التفكير» بحسب الاستعمال الشائع سيحوّل المسألة إلى استطلاع رأي، فاقترح بديلًا عمليًّا هو «لعبة المحاكاة». وبعد خمسة وسبعين عامًا نقع في الفخ نفسه حين نسأل عن «مستوى الإنسان» دون أن نحدّد المقصود.

أي «مستوى» نعني؟

اقترح باحثون في ورقة نُشرت في مؤتمر ICML عام 2024 تصنيفًا للذكاء العام على بُعدين: عمق الأداء وعموم القدرة، وتناولوا الاستقلالية أيضًا، ليكون لدى الباحثين لغة مشتركة لمقارنة النماذج وتقدير المخاطر. بهذا لا يصير السؤال «هل بلغنا؟» بل «بأي عمق، وفي كم مجالًا، وبكم استقلال؟». وقد تناولنا الفرق بين الذكاء الضيق والعام في مقال «ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي».

ماذا يقدّر الباحثون؟

في استطلاع شمل 2,778 باحثًا نشروا في مؤتمرات رائدة، قُدّر احتمال 50% أن تتفوق الآلات غير المعانة على البشر في كل مهمة ممكنة بحلول 2047، واحتمال 10% بحلول 2027. وكان تقدير الاستطلاع السابق أبعد بنحو 13 عامًا، فالتقدير نفسه يتحرك بسرعة. والأعجب أن الاستطلاع ذاته سأل عن «كل مهمة» فجاء الموعد 2047، وسأل عن أتمتة «كل مهنة» بالكامل فجاء احتمال 50% عند 2116 واحتمال 10% عند 2037. سؤالان متقاربان في الظاهر أعطيا موعدين متباعدين، وهذا يؤكد أن الصياغة تصنع الجواب كما يصنعه العلم.

وتجمع مراجعة نشرتها منظمة «80,000 هورز» (80,000 Hours) تقديرات فئات أخرى: قادة شركات الذكاء الاصطناعي يتحدثون في 2025 عن سنوات قليلة، ومنصة «ميتاكولوس» (Metaculus) سجّلت في فبراير 2026 احتمال 25% قبل 2029 و50% قبل 2033، بينما كان تقدير «المتنبئين الفائقين» في استطلاع 2022 أبعد. وتنبّه المراجعة إلى أسباب الحذر: تعريفات متباينة، وحوافز للمبالغة عند بعض الفئات، وأن مهارة التنبؤ بأحداث قريبة قد لا تنتقل إلى أحداث جديدة كليًّا. فهي تقديرات منسوبة لأصحابها، لا حقائق، وعلم ما لم يقع عند الله وحده.

وماذا تقول القياسات اليوم؟

يذكر مؤشر ستانفورد 2026 أن النماذج تتجاوز مرجعية الإنسان في عدة اختبارات، بينما يتأخر أداء الوكلاء في استعمال الحاسوب: بلغت دقة اختبار «أو إس وورلد» (OSWorld) نحو 66.3% في 2025 مقابل 72.35% للإنسان. والصورة متفاوتة لا خطّ مستقيم نحو عتبة واحدة.

السؤال الأنفع: ماذا نفوّض؟

لا تحتاج الأنظمة إلى وعي لتعيد توزيع العمل والقرار. وترتبط القدرة بمن يملك وسائل التدريب: يقدّر المؤشر نفسه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عام 2025 بنحو 285.88 مليار دولار في الولايات المتحدة، مقابل نحو 20.92 مليارًا في أوروبا ونحو 12.41 مليارًا في الصين، بحسب منهجيته في الحصر. فالمسألة تتصل بالسيادة وتوزيع المنافع كما تتصل بالتقنية.

وتجعل مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي اعتُمدت عام 2019 وحُدّثت عام 2024، المساءلة والشفافية من المبادئ القائمة على القيم. ويبقى القرار الذي يمسّ حياة الناس بحاجة إلى إنسان يُسأل عنه. قبل أن تفوّض أمرًا لنظام:

  • ما الضرر إن أخطأ، ومن يتحمّله؟
  • من يراجع القرار قبل نفاذه، وبأي معيار؟
  • هل نستطيع تفسير سببه ونستأنف ضده؟

وعلينا أن نأخذ بالأسباب في التعلّم والحوكمة، ونتوكل على الله فيما لا نملكه. أما «متى؟» فيصحّ أن نتابعها بعين ناقدة، وأن نسأل معها «بأي مسؤولية؟».

المراجع

  1. A. M. Turing, Computing Machinery and Intelligence, Mind 59(236): 433–460 (1950)
  2. M. R. Morris et al., Levels of AGI for Operationalizing Progress on the Path to AGI, ICML 2024 (arXiv 2311.02462)
  3. K. Grace et al., Thousands of AI Authors on the Future of AI (arXiv 2401.02843, 2024)
  4. 80,000 Hours, Shrinking AGI timelines: a review of expert forecasts
  5. Stanford HAI, The 2026 AI Index Report
  6. OECD.AI, OECD AI Principles (adopted 2019, updated 2024)