هل نحن في سباق مع الذكاء الاصطناعي؟ سؤال المضمار
قيل إنّ الآلة أرنبٌ لا يُلحَق. لكنّ السباق يفترض مضمارًا واحدًا وخطّ نهاية واحدًا، فماذا تقول الأدلة عن المضمارين؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
تُروى الحكاية سباقًا: آلةٌ تتسارع وإنسانٌ يتخلّف. والتسارع حقيقي في المُدخلات؛ فقد قدّر مختبر «أوبن إيه آي» (OpenAI) أنّ حوسبة أكبر تجارب التدريب تضاعفت كل 3.4 أشهر بين 2012 و2018. لكنّ زيادة الحوسبة ليست تفوّقًا شاملًا: فمفارقة مورافيك تذكّر بأنّ ما يسهل على الآلة قد يصعب على الإنسان والعكس، وتجربة ميدانية على 758 عاملًا معرفيًّا أظهرت تحسّن الأداء داخل نطاق قدرة النموذج وتراجعه خارجه. والتسارع نفسه قد يلاقي حدودًا، كنفاد النصوص البشرية العامة بين 2026 و2032 إن استمرت الاتجاهات. فالأجدى أن نسأل أيّ المهام نوكلها وأيّها نحتفظ بها.
المقال مطولًا طيّ المقال
قال مختبر «أوبن إيه آي» عام 2018 إنّ الحوسبة المستعملة في أكبر تجارب تدريب الذكاء الاصطناعي تضاعفت منذ 2012 كل 3.4 أشهر تقريبًا، بزيادة تتجاوز 300,000 ضعف بين «ألكس نت» (AlexNet) و«ألفا غو زيرو» (AlphaGo Zero). ولو سار قانون مور بوتيرته المعتادة، وهي مضاعفة كل سنتين، لبلغت الزيادة نحو سبعة أضعاف فقط. أرقامٌ تُغري بحكاية السباق: أرنبٌ ينطلق ويتركنا خلفه. لكنّ السباق يفترض مضمارًا واحدًا وخطّ نهاية واحدًا، وهذا ما ينبغي فحصه.
سرعتان بمقياسين
الأرقام السابقة تقيس مُدخلات التدريب: كم حوسبة أُنفقت. ولا تقيس الفهم ولا الحكمة ولا النفع. فلا يصحّ أن نقيس الآلة بمسطرة المسافة ونقيس الإنسان بمسطرة العمق ثم نعلن الفائز. وقد لاحظ الباحث هانس مورافيك (Hans Moravec) في كتابه «أطفال العقل» عام 1988 أنّ جعل الحاسوب يؤدي أداء الراشد في اختبارات الذكاء أو لعبة الداما سهل نسبيًّا، بينما يصعب منحه إدراك طفل في سنته الأولى وحركته. ورأى أنّ التفكير المجرّد «أرقّ طبقة من الفكر البشري» ترتكز على معرفة حسّية حركية أقدم بكثير، صقلها الانتخاب الطبيعي أمدًا أطول. هذه مفارقة مورافيك: الصعب على الآلة والسهل عليها يخالفان حدسنا.
التفوّق يتبع نوع المهمة
أجرى فابريتسيو ديل أكوا (Fabrizio Dell'Acqua) وزملاؤه من «كلية هارفارد للأعمال» تجربة ميدانية عشوائية مع «مجموعة بوسطن الاستشارية» شملت 758 عاملًا معرفيًّا. داخل «الحدّ» الذي تحسنه النماذج (18 مهمة) أنجز مستعملو «جي بي تي 4» مهامّ أكثر بنسبة 12.2%، وأسرع بنسبة 25.1%، بجودة أعلى. وفي مهمة إدارية معقدة خارج هذا الحدّ كانوا أقل ميلًا إلى الحل الصحيح بنحو 19 نقطة مئوية من غير المستعينين. فالأداة ترفع من يعرف حدودها وقد تُضلّ من يجهلها. وتفصيل هذه التجربة في مقال «ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي»؛ وهي تجربة واحدة بنموذج عام 2023، فلا تُعمَّم بلا تحفظ.
هل للتسارع سقف؟
يقدّر بابلو فيلالوبوس (Pablo Villalobos) وزملاؤه أنّ حجم مجموعات التدريب قد يقارب المخزون الكلي من النصوص البشرية العامة بين 2026 و2032 إن استمرت الاتجاهات الحالية. وهذا مرهون بافتراضات، ويذكرون سُبلًا قد تخفف الأثر كالبيانات الاصطناعية وكفاءة استعمال البيانات، لكنها ليست مضمونة.
ويرى برندن لايك (Brenden Lake) وزملاؤه أنّ الشبكات العميقة تفترق عن الذكاء البشري: فالإنسان يبني نماذج سببية للعالم، وينطلق من نظريات حدسية في الفيزياء والنفس، ويكتسب المعرفة ويعمّمها بسرعة. ولا يعني هذا أنّ الآلة لن تلحق به، بل أنّ مقارنة الطرفين بمقياس واحد غير دقيقة.
السباق الذي يهم
قدّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي «The Future of Jobs Report 2025»، استنادًا إلى استطلاع أكثر من ألف صاحب عمل، أنّ نحو 39% من المهارات القائمة ستتحول أو تتقادم بين 2025 و2030، وأنّ 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى تدريب بحلول 2030. ولا يقول التقرير إنّ الآلة ستسبق الإنسان، بل إنّ المهارات المطلوبة تتبدل. والمنافسة الفعلية على الأغلب بين من يواصل التعلّم ومن يتوقف، وهذه قراءتنا لا عبارة التقرير.
ما العمل؟
- اجعل التعلّم المستمر مهارتك الأم: من أتقن كيف يتعلّم لا يخشى تقادم ما تعلّم.
- وزّع المهام بوعي: أوكل للأداة المتكرر الذي تحسنه بدليل، واحتفظ بالحكم الأخلاقي وفهم السياق والمسؤولية.
- اختبر الأداة على مهمتك: النجاح في تجربة عامة لا يضمن النجاح في مهمتك.
- احفظ العمق: تلخيص الأداة لا يغني عن بناء فهم راسخ.
ولعل الحكاية القديمة أوضح الدروس: لم يخسر الأرنب لسرعته بل لظنّه أنّ السرعة وحدها تكفي. أما الآلة فتتسارع حيث نوجّهها، والتوجيه أمانة؛ فمن عرف وجهته وأخذ بالأسباب وتوكّل على الله فحريٌّ به أن يبلغها، وإن بدا بطيئًا.
المراجع
- OpenAI, AI and compute (16 May 2018)
- H. Moravec, Mind Children, Harvard University Press (1988), as summarised in Moravec's paradox
- F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)
- P. Villalobos et al., Will we run out of data? Limits of LLM scaling based on human-generated data, arXiv:2211.04325
- B. M. Lake, T. D. Ullman, J. B. Tenenbaum, S. J. Gershman, Building Machines That Learn and Think Like People, arXiv:1604.00289
- World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025: Digest

