ماذا تكافئ الخوارزمية؟ نفسيتنا بين التوصية والانتباه
المنصات تتعلم مما نفعله لا مما نقوله. فما الذي تكافئه فعلًا، وما أثره في ما نراه ونتذكره؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
تعمل خوارزميات التوصية على ما نفعله لا على ما نقول إننا نريده، وهذا يجعل النفس موضوع قياس مستمر. وتجد دراسة على منصة تويتر أنّ الترتيب القائم على التفاعل رفع المحتوى المشحون بالعداء للطرف المخالف، وأنّ المشاركين لم يفضّلوا ما اختارته الخوارزمية. وتبيّن دراسة أخرى أنّ الأخبار الكاذبة كانت أرجح بنحو 70% في إعادة التغريد، وأنّ البشر لا الروبوتات هم الأكثر نشرًا لها. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ كل تطبيق مؤذٍ؛ فتجربة صغيرة لمحادثٍ علاجي أفادت بعض الشباب. والخلاصة: اعرف ما تقيسه المنصة، وصمّم بيئتك لا ردود أفعالك.
المقال مطولًا طيّ المقال
في كتاب صدر عام 1957، درس فرستر (Ferster) وسكنر (Skinner) كيف تتغير سلوكيات الحمام باختلاف جداول التعزيز، أي متى تأتي المكافأة بعد الفعل. ومن تلك المختبرات استعار كثيرون تشبيهًا لتصميم المنصات: إشعار قد يحمل جديدًا وقد لا يحمل. فهل هذا التشبيه دقيق؟
تشبيه شائع ودليل أضيق
يستحضر نقّاد تصميم المنصات منطق «المكافأة غير المنتظمة» في وصف التحديث بالسحب والإشعارات. لكنه تشبيه لا نتيجة تجريبية مباشرة على المنصات الحديثة في المصادر التي رجعنا إليها؛ فكتاب فرستر وسكنر درس الحمام، ويقول ناشروه إنّ المبادئ تنطبق على سائر الأنواع بما فيها الإنسان، وهي دعوى تُختبر ولا تُسلَّم. والأوثق أن ننظر في ما تقيسه المنصات فعلًا.
ما الذي تكافئه الخوارزمية؟
مقياسها العملي هو التفاعل: نقرة، توقّف، إعادة نشر. وقد قارن ميللي (Milli) وزملاؤه عام 2023 بين الترتيب القائم على التفاعل في تويتر والترتيب الزمني المعكوس، فوجدوا أنّ الأول رفع المحتوى المشحون عاطفيًّا والمعادي للطرف السياسي الآخر، وأنّ المشاركين لم يفضّلوا التغريدات السياسية التي اختارتها الخوارزمية. وحين رُتب المحتوى بحسب ما يقوله المستخدمون إنهم يريدونه قلّ المحتوى الغاضب، لكنّ ذلك قد يعزّز ما يوافق آراءهم. فلا ترتيب بلا ثمن، والمهم أن نعرف ما يُقاس.
ومن جهة أخرى، فحصت دراسة فوسوغي (Vosoughi) وروي (Roy) وآرال (Aral) في «ساينس» عام 2018 نحو 126 ألف سلسلة انتشار لأخبار مدقَّقة على تويتر بين 2006 و2017، تقاسمها نحو ثلاثة ملايين شخص؛ فكانت الأخبار الكاذبة أرجح بنحو 70% في إعادة التغريد من الصادقة، وأوسع انتشارًا. وفسّر الباحثون ذلك بالجِدّة والانفعال، ووجدوا أنّ البشر هم من ينشرها أكثر من الروبوتات. وهذا يذكّرنا أنّ المسؤولية ليست على الآلة وحدها، فنحن شركاء في ما يُكافَأ.
وجدت سبارو (Sparrow) وزملاؤها عام 2011 أنّ من يتوقع أن تبقى المعلومة متاحة يتذكّر مكانها أكثر من نصّها. وهو انتقال في ما نحفظ لا بالضرورة نقص في الفهم، لكنه يوجب أن نفرّق بين ما نريد حفظه وما نكتفي بالوصول إليه.
ليست كل الأدوات سواء
في تجربة عشوائية نشرتها مجلة JMIR Mental Health عام 2017 تلقى 34 طالبًا جامعيًّا جلسات علاج سلوكي معرفي مع روبوت المحادثة وودبوت (Woebot) لأسبوعين، مقابل 36 طالبًا قرأوا كتيبًا معلوماتيًّا؛ فانخفضت درجات الاكتئاب لدى مجموعة الروبوت وحدها، ولم يظهر فارق بين المجموعتين في القلق. غير أنّ العينة صغيرة، والمدة قصيرة، وأحد المؤلفين مؤسس الشركة. فهي إشارة واعدة لا حكم نهائي.
وفي بلادنا
سجّل تقرير «ديجيتال 2026» (DataReportal) نحو 38.6 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل في السعودية في أكتوبر 2025، أي ما يعادل 111% من السكان، وقد لا تمثل الهويات أشخاصًا مختلفين. والرقم يدل على سعة الحضور لا على مقدار الضرر، لكنه يجعل الثقافة الرقمية شأنًا عامًّا.
ماذا نفعل؟
- رتّب بيئتك لا ردود فعلك: عطّل الإشعارات غير الضرورية وحدد أوقاتًا للتصفح.
- اسأل قبل أن تتفاعل مع ما يستفزّك: لماذا ظهر لي هذا الآن؟ ومن يستفيد من غضبي؟
- نوّع مصادرك عمدًا واحتفظ بساعات للقراءة والمشي بلا شاشة.
- علّم الناشئة كيف تعمل التوصية كما نعلّمهم قواعد السلامة.
والاعتدال هنا من حفظ النعمة؛ فالوقت والانتباه أمانتان نُسأل عنهما، ولا يعني ذلك الانقطاع عن التقنية بل حسن استعمالها.
المراجع
- C. B. Ferster & B. F. Skinner, Schedules of Reinforcement (1957; B. F. Skinner Foundation reprint, 1997)
- S. Milli et al., Engagement, User Satisfaction, and the Amplification of Divisive Content on Social Media, arXiv:2305.16941 (2023)
- MIT Sloan School of Management, False news spreads widely and easily (summary of S. Vosoughi, D. Roy & S. Aral, Science, 9 March 2018)
- B. Sparrow, J. Liu & D. M. Wegner, Google Effects on Memory: Cognitive Consequences of Having Information at Our Fingertips, Science 333, 2011
- K. K. Fitzpatrick, A. Darcy & M. Vierhile, Delivering Cognitive Behavior Therapy to Young Adults With Symptoms of Depression and Anxiety Using a Fully Automated Conversational Agent (Woebot): A Randomized Controlled Trial, JMIR Mental Health (2017)
- DataReportal, Digital 2026: Saudi Arabia (8 November 2025)

