كيف تتعلّم الذكاء الاصطناعي؟ ما تقوله الأدلة عن طرق التعلّم الفعّالة
طلابٌ استعانوا بمساعد ذكي فتحسّن أداؤهم في التمارين، ثم تراجعوا حين غاب عنهم. فالمهم في التعلّم ما يبقى معك بعد أن تُغلق الأداة.

كبسولة نانودقيقة واحدة
أظهرت تجربة ميدانية على نحو ألف طالب ثانوي أن الوصول إلى GPT-4 أثناء حل المسائل رفع الأداء في التمارين بنسبة 48%، لكن الدرجات هبطت 17% حين سُحب المساعد، مقارنةً بمن لم يستعن به قط. أما نسخةٌ مصمّمة لحماية التعلّم فمنعت معظم هذا الضرر. وتشير مراجعة علمية شهيرة (2013) إلى أن اختبار النفس والتوزيع الزمني للمذاكرة من أنفع الأساليب، وأن إعادة القراءة والتسطير أقلها نفعًا. فالطريق الجيد أن تبني فهمك بنفسك وتجرّب مبكرًا، وتستعين بالأداة معلّمًا يلمّح لا كاتبًا يجيب عنك.
المقال مطولًا طيّ المقال
يتخيل كثيرون أن تعلّم الذكاء الاصطناعي يبدأ بجبال من الرياضيات أو بحفظ الأوامر الجاهزة. والأدلة المتاحة تقول شيئًا أبسط وأدقّ: العبرة بما يبقى في ذهنك حين تغيب الأداة.
الأداة التي تجيب عنك قد تُعلّمك أقل
في دراسة نُشرت في «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) عام 2025، أجرى هامسا باستاني (Hamsa Bastani) وزملاؤه تجربةً ميدانية على نحو ألف طالب ثانوي في الرياضيات. أُتيح لبعضهم مساعدٌ يشبه ChatGPT يقوم على GPT-4، ولبعضهم مدرّسٌ آلي بالنموذج نفسه لكن بتعليمات تحمي التعلّم.
النتيجة: ارتفع الأداء في التمارين بنسبة 48% مع المساعد العادي وبنسبة 127% مع المدرّس المصمَّم، لكن حين سُحب المساعد العادي هبطت درجات طلابه 17% عمّن لم يستعن به قط. وحمت الصيغة المصمَّمة التعلّم إلى حدٍّ بعيد. ويعزو الباحثون الضرر إلى استعمال المساعد «عكّازًا» يعفي الطالب من الجهد الذي يرسّخ المهارة. وللتوسع في التعليم والذكاء الاصطناعي انظر مقال «نهاية عصر التلقين؟».
ما الذي يرسّخ المعرفة؟
راجع جون دنلوسكي (John Dunlosky) وزملاؤه عشرة أساليب تعلّم في دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة «Psychological Science in the Public Interest». ووُصف اختبار النفس (practice testing) والمذاكرة الموزّعة على الزمن (distributed practice) بأنهما عاليا النفع، بينما وُصف التسطير وإعادة القراءة بأنهما قليلا النفع.
وترجمة ذلك عمليًّا: لا تُعد قراءة الدرس فحسب، بل أغلق الكتاب وحاول أن تسترجع، وفرّق جلسات المذاكرة على أيام بدل أن تحشدها في ليلة. فبعد درسٍ عن تصنيف الصور مثلًا، اكتب من ذاكرتك ما فهمته عن خطواته وما يمكن أن يخطئ فيه، ثم قارن بما في الدرس. فالجهد الذي تبذله في الاسترجاع هو التمرين الحقيقي، وقد يختصره المساعد الذكي إن سألته مبكرًا. وعن تقادم المهارات ولماذا صارت مهارة التعلّم نفسها رأس مال انظر مقال «تعلّم كيف تتعلّم: ما الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي حقًّا؟».
ابدأ بشيء يعمل: مسار من خمس خطوات
تعلّم دورة fast.ai المجانية بمنهج «من الأعلى إلى الأسفل»: تبدأ بنموذج يعمل على مسألة حقيقية، ثم تفتح الصندوق لتفهم كيف بُني، بدل أن تبدأ بالرموز الجبرية. وتشترط الدورة خبرة برمجية بنحو سنة، ويُفضّل أن تكون بلغة «بايثون»، ومعرفة رياضيات المرحلة الثانوية. وهذه فلسفة تعليمية واحدة من فلسفات عدة، ولا يثبت المصدر تفوقها على غيرها، لكنها مثال لمن يريد أن يتعلم بالتطبيق.
- اختر مشكلة صغيرة تهمّك، كتصنيف نصوص أو التنبؤ بقيمة بسيطة.
- ابنِ حلًّا متواضعًا يعمل، ولو كان ناقصًا.
- افهم ما بنيتَه: لماذا أخطأ؟ وما البيانات التي تغذّى بها؟
- اختبر نفسك دون مساعدة بعد كل جلسة، ثم راجع بعد أيام.
- استعن بالنموذج اللغوي معلّمًا: اطلب منه تلميحًا وأسئلةً، لا الحلّ الكامل.
في السعودية
أعلنت وزارة التعليم في خبرٍ نشرته عام 2025 أن مبادرة «سماي» التي بدأتها «سدايا» بمعاونة وزارتي التعليم والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تجاوزت هدف تمكين مليون مواطن في الذكاء الاصطناعي، وأن نحو 70% من المشاركين من العاملين و30% من الطلاب. وهذا اتساع محمود في الوعي. أما الشهادة فبدايةٌ؛ والمعيار ما تستطيع أن تبنيه وتشرحه.
خلاصة قابلة للتجريب
التعلّم نعمةٌ تحتاج إلى صبرٍ وانتظام، والعلم يُطلب بالجهد، ويُرجى التوفيق فيه لمن أخذ بالأسباب وسأل الله التيسير. اجعل لنفسك ساعةً منتظمة، وجرّب أسبوعًا واحدًا أن تختبر نفسك قبل أن تسأل الأداة، وانظر الفرق.
المراجع
- H. Bastani et al., Generative AI without guardrails can harm learning: Evidence from high school mathematics, PNAS 122(26) (2025)
- J. Dunlosky, K. Rawson, E. Marsh, M. Nathan, D. Willingham, Improving Students' Learning With Effective Learning Techniques, Psychological Science in the Public Interest (2013)
- fast.ai, Practical Deep Learning for Coders
- وزارة التعليم السعودية، احتفاء وطني: أكثر من مليون مواطن يُمكَّنون في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرة «سماي» (2025)

