الأخلاقيات والحوكمة

بصمة الذكاء الاصطناعي البيئية: كم تستهلك الآلة وماذا توفّر؟

أداة تُرجى لحماية الأرض تستهلك كهرباء وماءً. بين الاتهام والدفاع أرقام موثّقة تحدّ من التهويل والتهوين.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصافحة بين يد بشرية ويد رقمية بدارات إلكترونية

كبسولة نانودقيقة واحدة

استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء عام 2024، أي نحو 1.5% من الكهرباء في العالم، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ نحو 945 تيراواط ساعة عام 2030. وللماء نصيب: قدّرت ورقة بحثية أن تدريب نموذج «جي بي تي-3» (GPT-3) في مراكز مايكروسوفت الأمريكية قد يبخّر نحو 700 ألف لتر. وفي المقابل خفّض نظام تعلّم آلي من «ديب مايند» (DeepMind) طاقة التبريد في أحد مراكز غوغل 40% بحسب الشركة، وتقدّر الوكالة أنّ التبنّي الواسع لحلول قائمة قد يخفض انبعاثات الطاقة نحو 5% عام 2035 إن زالت العقبات. فلا يصحّ حكمٌ مطلق، بل يتوقف الحكم على مصدر الكهرباء، وما نوجّه إليه الحوسبة، وما نُفصِح عنه من أرقام.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط ساعة عام 2024، أي نحو 1.5% من الكهرباء في العالم. وتتوقع أن يتجاوز الرقم الضعف إلى نحو 945 تيراواط ساعة عام 2030، وأن تشكّل المراكز نحو عُشر نمو الطلب العالمي على الكهرباء حتى ذلك العام. أرقام كبيرة، لكنها لا تقول وحدها هل الذكاء الاصطناعي خصمٌ للبيئة أم نصير لها.

الكربون: رقم شائع يحتاج تصحيحًا

يُنقل كثيرًا أن تدريب نموذج لغوي واحد يطلق انبعاثات تعادل خمس سيارات طوال عمرها. أصل الرقم ورقة أعدّها ستروبل وزملاؤه (2019) قدّرت نحو 626 ألف رطل من ثاني أكسيد الكربون المكافئ (نحو 284 طنًّا) لتجربة بحث آلي عن أفضل بنية لنموذج «محوّل»، مقابل نحو 126 ألف رطل لمتوسط سيارة في عمرها كاملًا. أما تدريب نموذج واحد من النوع نفسه فقُدّر بنحو 192 رطلًا (نحو 87 كيلوغرامًا). ففارق ما بين التجربة الباحثة والتدريب الواحد هائل، وقد تقادمت هذه الأرقام بتبدّل العتاد وحجم النماذج، فلا تُنقل بوصفها حكمًا على النماذج الحالية.

والأهم اليوم ما يجري عند الاستعمال. فقد وجد لوتشوني وزملاؤه (2023) أن النماذج التوليدية متعددة الأغراض أكثر كلفة بأضعاف مضاعفة من الأنظمة المخصصة لمهمة واحدة، لكل ألف استدلال، حتى مع ضبط حجم النموذج. فاختيار نموذج صغير لمهمة محددة قرارٌ بيئي أيضًا.

الماء: كلفة لا تظهر في الفاتورة

تحتاج المراكز إلى تبريد، ويبخّر بعضها ماءً. قدّرت ورقة بحثية (آخر نسخة 2025) أن تدريب «جي بي تي-3» في مراكز مايكروسوفت في الولايات المتحدة قد يبخّر نحو 700 ألف لتر من الماء العذب مباشرةً، وأن الطلب على الذكاء الاصطناعي قد يستلزم سحب 4.2 إلى 6.6 مليار متر مكعب من الماء عام 2027. وهذه تقديرات نماذج حسابية لا قياسات معلنة من الشركات، وتقول الورقة إن هذه المعلومات ظلت مكتومة في الغالب. وفي بيئة جافة كجزيرة العرب يصير الماء قيدًا يُحسب قبل اختيار موقع المركز وطريقة تبريده.

ما الذي توفّره الآلة؟

أعلنت «ديب مايند» عام 2016 أن نظامًا للتعلّم الآلي دُرّب على بيانات حسّاسات أحد مراكز غوغل خفّض طاقة التبريد فيه 40%، أي نحو 15% من الطاقة الزائدة الكلية، وهذا ادعاء الجهة صاحبة التجربة ولمركز واحد.

وعلى المستوى الأوسع، تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن التبنّي الواسع لحلول قائمة على الذكاء الاصطناعي قد يخفض الانبعاثات المرتبطة بالطاقة نحو 5% من مستوى 2035، بشرط تذليل عقبات التبنّي. وتحذّر الوكالة من أثر الارتداد (Rebound effect)، إذ قد يشجّع رخص الخدمة على إفراط في استعمالها يأكل بعض المكسب، وتصف الذكاء الاصطناعي بأنه «ليس حلًّا سحريًّا». وتتوقع أن ترتفع انبعاثات مراكز البيانات من نحو 180 إلى نحو 300 مليون طن بحلول 2035 في السيناريو الأساس، مع بقائها دون 1.5% من انبعاثات قطاع الطاقة.

من يتحمل الكلفة؟

يُرجَّح أن تقع الكلفة في مواضع المراكز، من كهرباء وماء، بينما تتوزع المنفعة على المستخدمين في أماكن بعيدة. وهذا استدلال لا نتيجة قياس، لكنه يستدعي سؤال العدل: من يستفيد ومن يتحمل؟ وتزداد الحاجة إلى إفصاح موحّد ومدقَّق عن استهلاك الطاقة والماء والانبعاثات، فما لا يُقاس لا يُحاسَب عليه.

ما يُفعل

  1. اجعل مصدر الكهرباء معيارًا في اختيار مواقع المراكز ومزوّدي الخدمة.
  2. اختر أصغر نموذج يؤدي المهمة بدل أكبرهم.
  3. اطلب من مزوّد الخدمة إفصاحًا مفصّلًا عن الطاقة والماء.
  4. وجّه الحوسبة أولًا إلى ما ينفع الناس والأرض، وراجع الأثر الكلي لا كفاءة العملية الواحدة.

والإسراف في الماء والطاقة، ولو كانا بعيدين عن أنظارنا، خلاف الأمانة التي استُخلفنا عليها، وقد يجتمع في الأداة نفعٌ وضرر، فنأخذ بنفعها ونردّ ضررها بالتدبير والحساب.

المراجع

  1. IEA, Energy and AI, Executive summary (2025)
  2. E. Strubell, A. Ganesh, A. McCallum, Energy and Policy Considerations for Deep Learning in NLP, arXiv:1906.02243 (2019)
  3. P. Li, J. Yang, M. A. Islam, S. Ren, Making AI Less Thirsty: Uncovering and Addressing the Secret Water Footprint of AI Models, arXiv:2304.03271 (v5, March 2025)
  4. DeepMind, DeepMind AI reduces Google data centre cooling bill by 40% (20 July 2016)
  5. A. S. Luccioni, Y. Jernite, E. Strubell, Power Hungry Processing: Watts Driving the Cost of AI Deployment?, arXiv:2311.16863 (2023)