الأخلاقيات والحوكمة

الذكاء الاصطناعي والديمقراطية: من يصنع الرأي العام؟

الخطر ليس أن تُزوَّر صناديق الاقتراع وحدها، بل أن تتزاحم الأصوات المصنّعة حتى لا نعرف من يتكلّم. فما الثابت علميًّا وما المبالَغ فيه؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد روبوتية تُوقّع وثيقة قرب ميزان العدالة ومطرقة القاضي

كبسولة نانودقيقة واحدة

تقوم الحياة العامة على خبرٍ صادق ونقاشٍ رصين وثقةٍ بين الناس. وقد وجدت دراسة نُشرت في «ساينس» (2018) أنّ الأخبار الكاذبة على «تويتر» كانت أرجح بنحو 70% في إعادة التغريد من الصادقة، وأنّ البشر لا الحسابات الآلية هم المحرّك الرئيس. ثم أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج النصوص والمقاطع بكلفةٍ زهيدة، فصنّف «المنتدى الاقتصادي العالمي» (2026) التضليل ثاني أخطر المخاطر في أفق عامين وفق استطلاعه. لكنّ الأدلة على قدرة الاستهداف الفردي ما زالت متباينة، وللآلة أيضًا وجهٌ نافع في تقريب وجهات النظر. والمطلوب شفافيةٌ، وتربيةٌ على التثبّت، وحوكمةٌ لا تخنق التعبير.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

قبل أن يكون للذكاء الاصطناعي التوليدي أثر يُذكر، تتبّع باحثون في «معهد ماساتشوستس للتقنية» نحو 126 ألف سلسلة أخبار على «تويتر» بين 2006 و2017، نشرها قرابة ثلاثة ملايين شخص، فوجدوا أنّ الأخبار الكاذبة كانت أرجح بنحو 70% في أن يعاد نشرها، وأنّ الخبر الصحيح احتاج إلى نحو ستة أضعاف الوقت ليبلغ 1500 شخص. والأهم أنّ الحسابات الآلية لم تكن السبب الرئيس: فقد بقي الفرق حين استبعدها الباحثون (Vosoughi وآخرون، 2018). الناس هم من يشاركون، والمنصّات تضخّم.

حين يرخص التصنيع

كان التضليل يحتاج إلى مادةٍ يقتطعها أو يحرّفها. أما التوليدي فيصنع نصًّا وصوتًا وصورةً بكلفةٍ قليلة. وفي «تقرير المخاطر العالمية 2026» الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» في 14 يناير 2026 جاء التضليل (المعلومات المضلِّلة والمغلوطة) في المرتبة الثانية بين المخاطر المتوقعة في أفق عامين. وهو تصنيفٌ يعكس إدراك المشاركين في استطلاع المنتدى، لا قياسًا مباشرًا للضرر، فيُقرأ على هذا الوجه.

ولعل أبقى أثر ما سمّاه باحثا القانون تشيسني (Robert Chesney) وسيترون (Danielle Citron) «عائد الكذّاب»: أن يصير وجود التزييف ذريعةً لإنكار تسجيلٍ حقيقي بدعوى أنه مفبرك، فيتهيّأ الجمهور المرتاب للشك في الدليل الصادق (2019). وقد فصّلنا هذا الباب في مقال «التزييف العميق: حين يصير الدليل المرئي موضع شك».

هل الرسالة المفصَّلة لكل فرد أقوى؟

يُخشى أن تخاطب الآلة كل ناخبٍ بما يعرفه عنه. وتتباين الأدلة هنا. ففي تجربةٍ شملت 820 مشاركًا في مناظراتٍ قصيرة ارتفعت أرجحية ازدياد اقتناع المشارك بنحو 82% حين ناظره «جي بي تي-4» وقد أُتيحت له معلوماتٌ ديموغرافية أساسية عنه، مقارنةً بمناظرٍ بشري (Salvi وآخرون، 2025). في المقابل وجدت دراسة هاكنبرغ (Hackenburg) ومارغيتس (Margetts) في مجلة «بناس» (PNAS) عام 2024 أنّ رسائل «جي بي تي-4» أقنعت عمومًا، لكنّ تفصيلها لسماتٍ سياسية وديموغرافية للمتلقي لم يزد أثرها زيادةً ذات دلالة إحصائية عن الرسائل العامة. فاختلاف التصميم والمواضيع يمنع الجزم، والأسلم أن نقول إنّ قدرة الآلة على الإقناع ثابتةٌ في التجارب، وأن فضل الاستهداف الفردي على الرسالة العامة لم يُحسم.

الآلة وسيطًا لا خصمًا

والتقنية نفسها قد تُستعمل في الاتجاه الآخر. فقد جرّب باحثون في «غوغل ديب مايند» ومعهم آخرون نظامًا يُسمّى «آلة هابرماس» على نحو 5700 بالغ بريطاني: يكتب مسوّدة بيانٍ جامعٍ لآراء مجموعةٍ صغيرة ثم يعدّلها بحسب اعتراضاتها. ففضّل المشاركون بيانات الآلة على بيانات وسطاء بشر بنسبة 56%، وارتفع الاتفاق داخل المجموعات بنحو 8 نقاطٍ مئوية (Tessler وآخرون، 2024). وينبّه المؤلفون إلى حدود: فالنظام لا يتحقق من صحة الوقائع ولا يضبط النقاش، وجُرّب في بريطانيا وعلى مجموعاتٍ صغيرة، وقد يعبّر التأييد عن ثقةٍ بعدالة الإجراء لا عن اتفاقٍ حقيقي. فالأمل قائم، وهو مشروطٌ بحسن التصميم.

ما يُفعل

  • شفافية الترتيب والمنشأ: أن يعرف الناس لماذا ظهر لهم المحتوى، وأن يوسَم المصطنَع منه.
  • التثبّت قبل النشر: التأنّي في الخبر أدبٌ شرعي معروف وعادةٌ تُربّى في البيت والمدرسة (انظر مقال «نهاية عصر التلقين؟»).
  • حوكمةٌ رشيدة: تحمي العمليات العامة من التزوير دون أن تضيّق على التعبير المشروع، وتتناسب مع طبيعة كل مجتمع.
  • ضبط الحوافز: فكل نظامٍ يكافئ الإثارة سينتج الإثارة، وتعديل ما يكافئه يعدّل سلوكه.

وتختلف المجتمعات في صور المشاركة العامة، غير أنّ حاجتها واحدة: خبرٌ صادق، ونقاشٌ يحفظ الاحترام، وثقةٌ بأنّ من يحاورك إنسان وأنّ كلمتك تُسمع. وأخطر ما تضعفه الأصوات المصنّعة هو هذه الثقة؛ فإذا حسب كلٌّ منا مخالفَه آلةً أو مأجورًا ضاع الحوار. وصيانة الصدق في القول من أمانة الكلمة، والله المستعان.

المراجع

  1. MIT News, Study: On Twitter, false news travels faster than true stories (8 March 2018), on S. Vosoughi, D. Roy, S. Aral, The spread of true and false news online, Science (2018)
  2. World Economic Forum, Global Risks Report 2026, Chapter 1 (14 January 2026)
  3. R. Chesney & D. Citron, Deep Fakes: A Looming Challenge for Privacy, Democracy, and National Security, California Law Review 107 (2019)
  4. Salvi et al., On the conversational persuasiveness of GPT-4, Nature Human Behaviour (2025); preprint arXiv:2403.14380
  5. University of Oxford, Effectiveness of large language models in political microtargeting assessed in new study (26 June 2024), on Hackenburg & Margetts, PNAS (2024)
  6. Tessler et al., AI can help humans find common ground in democratic deliberation, Science (2024)