العمل والمهارات

الذكاء البشري المعزَّز: شراكةٌ تُقاس بالأدلة

هل تسرق الآلة وظيفتي؟ سؤالٌ أقدم من الظنون. ولعلّ الأجدى أن نسأل: متى تعزّزني الأداة ومتى تُضلّني؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

روبوت ينتظر مقابلة عمل خلف رجل بالبدلة

كبسولة نانودقيقة واحدة

فكرة تعزيز الإنسان بالآلة أقدم من الذكاء الاصطناعي نفسه: فقد وصف فانيفار بوش في 1945 جهازًا «مكمّلًا حميمًا موسّعًا للذاكرة»، وسعى دوغلاس إنغلبارت في 1962 إلى زيادة قدرة الإنسان على معالجة المشكلات المعقدة. وتشير التجارب الحديثة إلى أنّ الأداة قد ترفع أداء الأقلّ خبرة أكثر من غيرهم: 34% عند الأقلّ خبرة مقابل 14% في المتوسط في خدمة العملاء. لكنها قد تبطئ أصحاب الخبرة أو تُضلّلهم: فمطوّرون محترفون استغرقوا وقتًا أطول بنسبة 19% معها وهم يظنون أنهم أسرع. فالتعزيز نتيجةٌ تُقاس، لا شعارٌ يُفترض. ويتصدّر التفكير التحليلي المهارات التي يطلبها أصحاب العمل.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في يوليو 1945 نشر فانيفار بوش (Vannevar Bush)، مدير مكتب البحث العلمي والتطوير الأمريكي، مقالته «كما قد نفكّر» في مجلة «ذا أتلانتك». وصف فيها جهازًا سمّاه «ميمكس» يخزّن فيه المرء كتبه وسجلاته ومراسلاته ويستعيدها بسرعةٍ ومرونة، وعدّه «مكمّلًا حميمًا موسّعًا» لذاكرته. لم يطمح إلى آلةٍ تفكّر بدل الإنسان، بل إلى آلةٍ تُبقي عقله حاضرًا أمام ما يكاد ينساه.

وفي أكتوبر 1962 عرّف دوغلاس إنغلبارت (Douglas Engelbart) في تقريره لمعهد ستانفورد للأبحاث تعزيز القدرة البشرية بأنه «زيادة قدرة المرء على مقاربة موقفٍ مشكلٍ معقّد». ومنذ ذلك الحين ظلّت فكرة الشراكة ماثلة، وأخذت اليوم شكلًا يمكن اختباره.

ماذا تقول التجارب؟

في تجربةٍ ميدانية على 758 استشاريًّا (Dell'Acqua وآخرون، 2023) أنجز المستعينون بالذكاء الاصطناعي مهامّ أكثر بنسبة 12.2%، بجودةٍ أعلى بأكثر من 40%. وتحسّن ذوو الأداء الأدنى بنحو 43% وذوو الأداء الأعلى بنحو 17%. وفي دراسةٍ على 5179 من موظفي الدعم ارتفعت الإنتاجية بنحو 14% في المتوسط، وبنحو 34% عند الأقلّ خبرة، وقلّ الأثر عند الخبراء (Brynjolfsson وآخرون، 2023).

وهذا يؤيد فكرة التعزيز: الأداة تقرّب المبتدئ من الخبير ويرجّح مؤلفو الدراسة أنها تنقل شيئًا من ممارسات الأمهر إلى غيره. لكن لاحِظ أنّ المهام في الدراستين كانت في نطاقٍ تحسنه الأداة.

حين تُبطئ الأداة

وللتجربة الأولى وجهٌ آخر: ففي مهمةٍ صُمّمت خارج نطاق قدرة النموذج كان المستعينون به أقلّ بنحو 19 نقطةً مئوية في احتمال الوصول إلى الحل الصحيح. وفي تجربةٍ عشوائية أجراها فريق «METR» عام 2025 على 16 مطوّرًا محترفًا أنجزوا 246 مهمةً في مشاريع يعرفونها منذ سنوات، استغرق إنجازهم وقتًا أطول بنسبة 19% حين سُمح لهم بأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة في مطلع 2025، مع أنهم توقعوا قبل البدء أن تسرّعهم بنحو 24%، وظنّوا بعد الانتهاء أنها سرّعتهم بنحو 20% (Becker وآخرون، 2025). والعيّنة صغيرة، والأدوات تتبدّل بسرعة، فلا تُعمَّم النتيجة، لكنها تعلّمنا ألا نكتفي بالإحساس بالسرعة.

فالتعزيز نتيجةٌ نقيسها في كل سياق، لا افتراضٌ نعلنه. فقد تنفع الأداة أو لا تؤثر أو تضرّ، ويفصل بين الحالات اختبارٌ على مهمةٍ محدّدة بمعيارٍ واضح.

المهارات التي تعلو قيمتها

يتوقع تقرير «The Future of Jobs Report 2025» الصادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» بناءً على استطلاع أصحاب العمل أن يتغيّر نحو 39% من المهارات الحالية للعاملين أو تتقادم بحلول 2030، وأن تُستحدث نحو 170 مليون وظيفة وتُزال نحو 92 مليونًا. وهذه توقعاتٌ لا قدر محتوم. ويأتي التفكير التحليلي في مقدمة المهارات الأساسية التي يطلبها أصحاب العمل، تليه المرونة والقدرة على التكيّف، ثم القيادة والتأثير الاجتماعي. أي أنّ الطلب يتجه إلى ما يحتاجه الإنسان ليحسن توجيه الأداة والحكم على ناتجها.

ما يُفعل

  • أبقِ الإنسان في الحلقة: القرار الذي يمسّ الناس وقيمهم لا يُفوَّض إلى آلة (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة»).
  • عامِل الناتج مسوّدة: اطلب المصدر، وراجع، وانسب الفضل لأهله.
  • قِس قبل أن تعمّم: جرّب الأداة على عملك الفعلي وقارن الوقت والجودة بدونها.
  • درّب على السؤال الجيد والشك المنظّم: لا على الحفظ وحده (انظر «نهاية عصر التلقين؟»).

وأجمل ما في هذه الفكرة أنها تحفظ للإنسان كرامته: فهو صاحب القصد والمسؤولية، والأداة وسيلة. فإذا قصدنا بها نفع الناس وأخذنا بالأسباب وتوكّلنا على الله، كانت عونًا على العلم والعمل لا بديلًا عن العالم والعامل.

المراجع

  1. V. Bush, As We May Think, The Atlantic Monthly (July 1945)
  2. D. C. Engelbart, Augmenting Human Intellect: A Conceptual Framework, SRI Summary Report (October 1962)
  3. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier, Harvard Business School Working Paper (2023)
  4. E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
  5. J. Becker, N. Rush, E. Barnes, D. Rein (METR), Measuring the Impact of Early-2025 AI on Experienced Open-Source Developer Productivity, arXiv:2507.09089 (2025)
  6. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025: Digest (7 January 2025)