القطاعات والتطبيقات

الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد: من ردّ الفعل إلى التوقّع

رقاقةٌ صغيرة تتأخّر فتتوقف مصانع بعيدة. هل تمنع الخوارزمية الصدمة، أم تجعل السلسلة أدقّ وأهشّ معًا؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

بطريق واقف على قطعة جليد طافية في بحر هادئ

كبسولة نانودقيقة واحدة

سلسلة التوريد شبكةٌ تجري فيها السلع والأموال والمعلومات، ومن أبرز مواضع الارتباك فيها ضعف المعلومات. ويضيف الذكاء الاصطناعي قدرةً على التنبؤ بالطلب والتعطّل وإعادة ترتيب المسارات. وقد قدّرت «أليكس بارتنرز» أنّ نقص الرقائق كلّف قطاع السيارات نحو 210 مليارات دولار من إيراداته في 2021. وتفيد تقارير «ماكنزي» بتحسّنٍ لدى السبّاقين إلى هذه التقنيات، لكنّ استطلاعها لعام 2024 يُظهر أنّ 10% فقط من الشركات أتمّت نشر أنظمة التخطيط المتقدمة. والخطر أن تدفع الكفاءة المفرطة إلى إزالة المخزونات الاحتياطية، فتزداد الهشاشة. فالمطلوب بيانات موحّدة، ورقابة بشرية، ومتانة تُصمَّم من البداية.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في 2021 قدّرت شركة الاستشارات «أليكس بارتنرز» (AlixPartners) أنّ نقص الرقائق الإلكترونية سيكلّف قطاع السيارات العالمي نحو 210 مليارات دولار من الإيرادات، وأنّ الإنتاج سيخسر نحو 7.7 ملايين مركبة، وكان ذلك تعديلًا صاعدًا لتقدير مايو من العام نفسه البالغ 110 مليارات دولار. رقاقةٌ تُقاس بالمليمترات تعطّل مصنعًا في قارةٍ أخرى. هذا هو الميدان الذي يدخله الذكاء الاصطناعي.

ثلاثة أنهار

تجري في سلسلة التوريد ثلاثة أنهار: نهر السلع، ونهر الأموال، ونهر المعلومات. ومن أبرز مواضع الارتباك الثالث: قراراتٌ تُبنى على بياناتٍ متأخرة أو متناثرة بين مورّدين لا يرى بعضهم بعضًا. وقد وجد استطلاع «ماكنزي» (2024)، على 88 من كبار مسؤولي سلاسل الإمداد، أنّ نحو 60% فقط يملكون رؤيةً شاملة لمورّديهم من المستوى الأول، وأنّ الرؤية في المستويات الأعمق تراجعت للعام الثاني على التوالي. فإذا كان النهر الثالث ضعيفًا، فأيّ تقنيةٍ تقوّيه تغيّر الصورة.

ما الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي؟

أبرز ما يضيفه هو الانتقال من ردّ الفعل إلى التوقّع: تقدير الطلب قبل ظهوره، ورصد علامات العطل، واقتراح مسارٍ بديل حين يُغلق مسار. وفي تحليلٍ نشرته «ماكنزي» (2021) أنّ السبّاقين إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي في إدارة السلاسل حسّنوا كلفة اللوجستيات بنحو 15%، ومستويات المخزون بنحو 35%، ومستويات الخدمة بنحو 65% مقارنةً بمنافسين أبطأ. وهو رقمٌ يخصّ السبّاقين وتنشره جهةٌ استشارية، لا تجربةً مضبوطة، فنقرؤه إشارةً إلى الاتجاه لا وعدًا لكل شركة.

والواقع أبطأ من العناوين: ففي الاستطلاع نفسه يمضي ثلثا المشاركين في أنظمة التخطيط والجدولة المتقدمة، لكنّ 10% فقط أتمّوا نشرها، ويتزايد الاهتمام بأدوات الذكاء الاصطناعي في تخطيط الطلب.

الكفاءة أم المتانة؟

كلما شُدّت السلسلة نحو أقصى كفاءة وقلّصت مخزوناتها، ضعفت قدرتها على امتصاص الصدمة. وهذا ما تبيّنه الأزمات الأخيرة. والمفارقة أنّ الذاكرة تقصر: ففي استطلاع «ماكنزي» (2024) قال 73% إنهم يحرزون تقدّمًا في تعدّد المورّدين وإنّ 60% يعملون على توطين سلاسلهم إقليميًّا، لكنّ 46% يتوقعون خفض المخزونات الاحتياطية أو إلغاءها، و47% يُبقونها على حالها، و7% فقط ينوون زيادتها.

فالذكاء الاصطناعي سلاحٌ ذو حدّين: يساعد على إدارة التعقيد، ويغري بتشديد السلسلة أكثر مما تحتمل. وليس لنا أن نترك للخوارزمية وحدها أن تقرّر كم يُحتفظ به من مخزونٍ احتياطي؛ فهذه موازنةٌ بين الكلفة والأمان تعود إلى الإدارة، وهي التي تتحمّل تبعتها.

القرار والبيانات

يُترك جزءٌ متزايد من القرارات اليومية، كتسعير الشحن وتوزيع الأحمال، للأنظمة. وحين يتعلّق القرار بالغذاء والدواء فلا يكفي أن «تعمل» الخوارزمية؛ لا بدّ أن يفهم المسؤولون سبب قرارها وأن يملكوا حقّ تعطيلها، وأن يعرف المتضرر من يُسأل. وقد أوضحنا هذا المبدأ في مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة».

والخوارزمية بلا بياناتٍ لا قيمة لها، وبيانات الحاويات والموانئ والاستهلاك ثروة. فمن يجمع البيانات من سلسلةٍ كاملة قد يرى ما لا يراه أطرافها. ولذا ينبغي أن تُحسَم مبكرًا مسألة من يملك بيانات التدفق التجاري، وأين تُخزَّن، وبأيّ ضوابط تُشارك.

في السعودية

تقدّمت المملكة في مؤشر الأداء اللوجستي للبنك الدولي إلى المرتبة 38 من 139 دولة في إصدار 2023، بعد أن كانت في المرتبة 55 في إصدار 2018 (Arab News، 2023). وأطلقت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية في 29 يونيو 2021، من أهدافها أن تكون المملكة بين أفضل عشر دول في هذا المؤشر، وأن ترتفع مساهمة قطاع النقل والخدمات اللوجستية في الناتج المحلي من 6% إلى 10%، وفق ما نقلته الصحيفة.

ونرى أنّ ربط الموانئ والجمارك والنقل والمستودعات في بياناتٍ متّسقة شرطٌ سابق لأيّ ذكاءٍ اصطناعي نافع، وأنّ تأهيل الكفاءات الوطنية لتفهم الأنظمة التي تشغّلها أولى من استيراد أنظمةٍ مغلقة. ولا يكفي المؤشر دليلًا على أثر الذكاء الاصطناعي في القطاع، فهو يقيس الأداء اللوجستي عمومًا.

والسلسلة المتينة سلسلةٌ فيها أمانة: وفاءٌ بالعقود، وصدقٌ في البيانات، واحتياطٌ للطارئ. وهذه معانٍ تسبق التقنية وتبقى بعدها.

المراجع

  1. CNBC, Chip shortage expected to cost auto industry $210 billion in 2021 (AlixPartners forecast, September 2021)
  2. McKinsey & Company, Succeeding in the AI supply-chain revolution (30 April 2021)
  3. McKinsey & Company, Supply chains: Still vulnerable (Supply Chain Risk Survey 2024, 14 October 2024)
  4. McKinsey & Company, Supply chain inventory inertia (3 December 2024)
  5. Arab News, Saudi Arabia climbs 17 places on the World Bank's logistics index (23 April 2023)
  6. Arab News, Saudi Arabia launches National Transport and Logistics Strategy (30 June 2021)