الاقتصاد والأعمال

الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال: الأداة لا تصنع الشركة

رخصت أدوات البناء، فغلا ما لا تصنعه أداة: فهم الناس وحسن الحكم. وبين الحماسة والحذر أدلّةٌ تستحق أن تُقرأ بهدوء.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

كوب أبيض فيه قهوة وحبوب بن على لوح خشبي

كبسولة نانودقيقة واحدة

خفّض الذكاء الاصطناعي كلفة المحاولة، فصار بوسع فريقٍ صغير أن يجرّب أكثر. وفي تجربةٍ ميدانية على 758 استشاريًّا في «مجموعة بوسطن الاستشارية» رفعت الأداة إنجاز المهام الواقعة في نطاق قدرتها، لكنها قلّلت صحة الجواب بنحو 19 نقطة مئوية في مهمةٍ خارج هذا النطاق. ويقرّر تقريرُ مشروع «NANDA» في «معهد ماساتشوستس» (2025) أنّ أكثر مبادرات المؤسسات لم تُنتج عائدًا قابلًا للقياس، وتردّ ذلك إلى ضعف تعلّم الأنظمة من سياقها لا إلى جودة النماذج. فالخلاصة: ابدأ من حاجةٍ حقيقية عند الناس، واجعل الأداة خادمةً لها، وأبقِ الحكم والمسؤولية عليك.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

شملت تجربةٌ ميدانية 758 استشاريًّا في «مجموعة بوسطن الاستشارية» (Boston Consulting Group)، أنجزها باحثون من جامعة هارفارد وغيرها، فأنجز من استعان منهم بالذكاء الاصطناعي مهامّ أكثر بنسبة 12.2% في المتوسط، وجاءت جودة أعماله أعلى بأكثر من 40% من جودة مجموعة الضبط. ثم أُعطوا مهمةً صُمّمت عمدًا خارج قدرة النموذج، فكان المستعينون بالأداة أقلّ بنحو 19 نقطةً مئوية في احتمال الوصول إلى الجواب الصحيح (Dell'Acqua وآخرون، 2023). الأداة نفسها نفعت في موضع وأضلّت في آخر، وبالثقة نفسها.

ما الذي رخص وما الذي غلا؟

ما يمنحه الذكاء الاصطناعي لشركةٍ ناشئة هو رخصُ المحاولة: كتابةُ مسوّدة، وبناءُ نموذجٍ أولي، وتحليلُ مئات الردود في ساعات. وتشير دراستان إلى أنّ المكسب يميل إلى الأقلّ خبرة أكثر من غيرهم: ففي التجربة السابقة تحسّن أداء ذوي الأداء الأدنى بنحو 43%، وذوي الأداء الأعلى بنحو 17%. وفي دراسةٍ على 5179 موظف دعم عملاء ارتفعت الإنتاجية بنحو 14% في المتوسط، وبنحو 34% عند الأقلّ خبرة، ولم يتغيّر أداء الخبراء كثيرًا (Brynjolfsson وآخرون، 2023).

ونستنتج من ذلك أمرين. الأول أنّ الأداة تقرّب المبتدئ من المتمرّس. والثاني، وهو استنتاجنا نحن، أنّ ما صار متاحًا للجميع لا يصلح أساسًا للتميّز؛ فإذا أمكن لمنافسك أن يستعمل الأداة نفسها غدًا، فالفارق في شيءٍ آخر: معرفتك بزبونك، وحسن حكمك، ومتانة العلاقة التي بنيتَها.

ابدأ من الحاجة لا من الأداة

قدّم «مشروع NANDA» في «معهد ماساتشوستس» تقريرًا في يوليو 2025 خلص إلى أنّ نحو 95% من المؤسسات لم تحقق عائدًا قابلًا للقياس من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأنّ نحو 5% فقط من المبادرات المتكاملة أنتجت أثرًا ملموسًا في الأرباح. ويردّ التقرير ذلك إلى «فجوة التعلّم»: فأكثر الأنظمة لا تحتفظ بالتغذية الراجعة ولا تتكيّف مع السياق ولا تتحسّن بمرور الوقت. وينبغي أن يُقرأ الرقم بحذر؛ فمؤلفوه يصفونه بأنه اتجاهي، مبنيّ على مقابلات ذاتية الإفادة (52 مؤسسة) وعلى استبانة لـ153 قياديًّا وعلى مراجعة أكثر من 300 مبادرة معلنة، وهو يقيس مبادرات المؤسسات لا الشركات الناشئة تحديدًا.

لكنّ الدرس يوافق نصيحةً قديمة قالها بول غراهام (Paul Graham) في مقاله عن إطلاق الشركات: أن يصنع المؤسس ما يريده العملاء فعلًا. والذكاء الاصطناعي لا يلغي هذه النصيحة، بل يرفع ثمن إهمالها؛ لأنه يتيح لك أن تبني المنتج الخطأ بسرعةٍ وكلفةٍ قليلة، فتخال أنك تتقدّم وأنت تبتعد عن السوق. والسؤال الأصحّ ليس «كيف أستعمل الذكاء الاصطناعي؟» بل «أيّ حاجةٍ حقيقية عند الناس أستطيع أن أسدّها بصدق؟».

عاداتٌ عملية لمؤسسٍ بميزانيةٍ محدودة

  • عامِل الأداة مساعدًا لا مديرًا: راجع ما تنتجه، واعرف المواضع التي تخطئ فيها، ولا تفوّض ما يمسّ سمعتك أو أمانة عملائك.
  • اجعل التعلّم ميزتك: ما دامت كلفة التجربة قليلة فجرّب فرضياتٍ أكثر، وقِس استجابة السوق قبل أن تلتزم.
  • احرس ما لا يُنسخ: ثقة العميل، وبياناتٌ تتولّد من استعماله منتجك بإذنه، وفهمٌ لسياقٍ محلّي قد لا يحسنه النموذج العام. وقد ناقشنا لغة النماذج وسياقها في مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».
  • كن أمينًا في استعمال البيانات: ما يُؤتمن عليه من بيانات الناس لا يجوز التساهل فيه (انظر «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة»).

وفي السعودية

تذكر هيئة «منشآت» أنّ عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة بلغ نحو 1.3 مليون بنهاية 2023، وأنّها تسعى إلى رفع إسهامها في الناتج المحلي إلى 35% بنهاية العقد (Arab News، 2024). وفي هذا الاتساع مجالٌ لمن يفهم السوق المحلي ويخدمه بلغته وسياقه، ولا يكفي لذلك أن تتوافر الأداة. فالفرصة تتحقق لمن يبدأ من مشكلةٍ حقيقية في مجتمعه ويخدمها بإتقان.

وليس الأمر سباق موارد فحسب، بل صدقُ نيّةٍ وحسنُ تدبير. فمن أخذ بالأسباب وتوكّل على الله وأحسن الإصغاء إلى الناس، كانت أدواته عونًا له لا بديلًا عن حكمته.

المراجع

  1. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier: Field Experimental Evidence of the Effects of AI on Knowledge Worker Productivity and Quality, Harvard Business School Working Paper (2023)
  2. MIT Project NANDA, The GenAI Divide: State of AI in Business 2025 (July 2025)
  3. E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
  4. P. Graham, How to Start a Startup (March 2005)
  5. Arab News, Monsha'at revolutionizing SME landscape in Saudi Arabia (2024)