اقتصاديات الذكاء الاصطناعي: لماذا يختلف الاقتصاديون على حجم المكسب؟
تقدّر ماكنزي المكسب بتريليونات الدولارات في السنة، ويقدّر اقتصاديٌّ في معهد ماساتشوستس زيادةً دون الواحد في المئة في عقد كامل. الفرق في الأسئلة التي يجيب عنها كل رقم.

كبسولة نانودقيقة واحدة
يقدّر تقرير ماكنزي (2023) أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنويًّا إلى الاقتصاد العالمي، بينما يرى الاقتصادي دارون أسيموغلو (Daron Acemoglu) أن الزيادة في الإنتاجية الكلية لن تتجاوز نحو 0.66% خلال عشر سنوات. التقديران لا يتناقضان بقدر ما يختلفان في الافتراضات: كم من المهام يتأثر فعلًا، وكم يُوفَّر في كل مهمة، وهل يجد العاملون المتأثرون عملًا آخر. وتؤيد الدراسات الميدانية مكاسب حقيقية في مهام بعينها، كخدمة العملاء، لكنها لا تُعمَّم تلقائيًّا على الاقتصاد كله. فاقرأ كل رقم اقتصادي عن الذكاء الاصطناعي بوصفه تقديرًا مشروطًا، لا نتيجةً مقرَّرة.
المقال مطولًا طيّ المقال
في يونيو 2023 قدّرت شركة ماكنزي (McKinsey) أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار كل عام إلى الاقتصاد العالمي، وقارنت ذلك بالناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة عام 2021، وكان 3.1 تريليون دولار. وبعد نحو عام نشر دارون أسيموغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتقنية، ورقةً بحثية خلص فيها إلى أن الزيادة في الإنتاجية الكلية للعوامل لن تتجاوز نحو 0.66% في عشر سنوات.
أيّهما أقرب إلى الصواب؟ السؤال بهذه الصيغة يضلّل، لأن الرقمين يجيبان عن سؤالين مختلفين.
كيف يبني كل فريق رقمه؟
يستند أسيموغلو إلى منطق بسيط: إذا جاء مكسب الشركات من توفير الكلفة في مهام محددة، فأثره في الاقتصاد كله يُقدَّر من نصيب المهام المتأثرة ومتوسط التوفير فيها. ثم يضيف تحفظًا: الأدلة المبكرة جاءت من مهام سهلة التعلّم، فإذا امتد الذكاء الاصطناعي إلى مهام أصعب قلّ التوفير، وانخفض التقدير إلى ما دون 0.53%.
أما ماكنزي فتحصي حالات الاستخدام الممكنة، وهي 63 حالة، وتقيس قيمتها على بنية الاقتصاد العالمي عام 2022. ولا تحتسب ما قد ينشأ من منتجات وخدمات جديدة كليًّا، وتشترط أن ينتقل العاملون المتأثرون إلى أنشطة أخرى حتى تتحقق مكاسب الإنتاجية. فهو تقدير للإمكان، لا قياس لما تحقق. ولا يصحّ وضع الرقمين متجاورين بلا تحفظ: فماكنزي نفسها تقدّر أن يرفع الذكاء الاصطناعي التوليدي نمو إنتاجية العمل بين 0.1 و0.6 نقطة مئوية سنويًّا حتى عام 2040، وهذا مقياس غير الإنتاجية الكلية للعوامل التي يتناولها أسيموغلو، وأفقٌ زمني غير أفقه.
ماذا يقول الميدان؟
أوضح الأدلة تجربةٌ ميدانية درسها برينيولفسون (Erik Brynjolfsson) وفريقه: قُدّم مساعد توليدي تدريجيًّا إلى 5,179 موظفًا في دعم العملاء، فارتفع عدد المشكلات المحلولة في الساعة بنحو 14% في المتوسط، وبنحو 34% عند المبتدئين وقليلي الخبرة، بينما كان الأثر ضئيلًا عند ذوي الخبرة.
والدلالة مزدوجة. المكاسب حقيقية في مهام محددة، وهي تميل إلى رفع الأضعف أداءً أكثر مما ترفع الأقوى. لكن الانتقال من مركز اتصال واحد إلى اقتصاد كامل قفزةٌ لا تضمنها الدراسة نفسها.
الكلفة تهبط ولا تبلغ الصفر
يتردد أن كلفة الوحدة الإضافية من الذكاء الاصطناعي تؤول إلى الصفر. والمعطيات أدق من ذلك. فبحسب مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2025، هبطت كلفة تشغيل نموذج بمستوى GPT-3.5 (نحو 64.8% في اختبار MMLU) من 20 دولارًا لكل مليون رمز في نوفمبر 2022 إلى 0.07 دولار في أكتوبر 2024، أي أكثر من 280 ضعفًا.
هبوط حادّ، لكنه ليس صفرًا، ويقابله إنفاق ضخم: بلغ الاستثمار الخاص الأمريكي في الذكاء الاصطناعي 109 مليارات دولار في 2024، وقالت 78% من المؤسسات المشمولة بالمسح إنها تستخدمه، مقابل 55% قبل عام. فالانتشار سريع، وسؤال الاقتصاديين: متى يظهر ذلك في الإنتاجية الكلية؟
من يكسب؟ وأين نقف نحن؟
يقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف في العالم معرَّضة للذكاء الاصطناعي، وتبلغ النسبة نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة، و40% في الأسواق الناشئة، و26% في الدول منخفضة الدخل. والتعرّض لا يعني الفقدان؛ فنحو نصف الوظائف المعرَّضة في الاقتصادات المتقدمة قد يستفيد من التكامل مع هذه التقنية، والنصف الآخر قد ينخفض الطلب عليه.
وترى كريستالينا غورغييفا (Kristalina Georgieva)، المديرة العامة للصندوق، أن التفاوت سيتسع على الأرجح في معظم السيناريوهات، وتدعو إلى شبكات أمان اجتماعي وإعادة تأهيل للعاملين، وإلى أن تبدأ الاقتصادات الناشئة بالبنية الرقمية والكفاءات. ويذهب أسيموغلو في ورقته إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يوسّع الفجوة بين دخل رأس المال ودخل العمل، وأن بعض المهام المستحدثة قد تكون قليلة النفع للمجتمع أو ضارّة به. فالمكسب الكلي لا يعني بالضرورة مكسبًا للجميع.
وفي السعودية، أُعلن في 12 مايو 2025 إطلاق شركة «هيوماين» (HUMAIN) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وتفصيل أهدافها في مقال «دبلوماسية الذكاء الاصطناعي: من يكتب القواعد يشارك في صنع اللعبة». فالرهان أن تتحول البنية والنماذج إلى قيمة داخل القطاعات. أما تقييم أثره الاقتصادي فيحتاج إلى بيانات تُنشر وتُراجَع على مدى السنوات المقبلة. وللاستزادة عن النماذج العربية انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».
أربعة أسئلة قبل تصديق أي رقم
- هل هو إمكانٌ نظري أم قياسٌ ميداني؟
- أي المهام يشمل، وهل هي سهلة التعلّم أم صعبة؟
- في أي أفق زمني؟
- من يجني الثمرة، ومن يتحمل الكلفة؟
هذه معرفة تعين على الفهم، وليست توصية استثمارية؛ ومن أراد توظيف مال فليستشر مختصًّا مرخَّصًا وليراعِ الضوابط الشرعية. والأخذ بالأسباب، من تعلّمٍ وتمحيصٍ للأرقام، لا يغني عن التوكل على الله، كما لا يغني التوكل عنه.
المراجع
- McKinsey Global Institute, The economic potential of generative AI: The next productivity frontier (June 2023)
- D. Acemoglu, The Simple Macroeconomics of AI, NBER Working Paper 32487 (May 2024)
- E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (April 2023)
- Stanford HAI, The AI Index 2025: State of AI in 10 Charts
- K. Georgieva, AI Will Transform the Global Economy. Let's Make Sure It Benefits Humanity, IMF Blog (14 January 2024)
- Al Arabiya English, Saudi Crown Prince launches HUMAIN to position Saudi Arabia as a global AI leader (12 May 2025)

