بيوتٌ تفهمنا: الذكاء الاصطناعي حين يسكن الأشياء المتصلة
مصباحٌ رخيص مهمل التحديث قد يصير بابًا للمعتدين، وساعةٌ ذكية قد تدلّ الشبكة على موعد نومك. فما حدود الراحة وما ثمنها؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
إنترنت الأشياء شبكةٌ من الأجهزة المتصلة، كالمستشعرات والكاميرات والعدّادات والساعات، تجمع قراءاتٍ لا تنقطع، ويحوّلها الذكاء الاصطناعي إلى تنبيهٍ أو قرار. وتقدّر شركة «IoT Analytics» عددها بنحو 21.1 مليار جهاز في 2025. وقد انتقل جزءٌ من المعالجة إلى الجهاز نفسه أو قربه، فقلّ زمن الاستجابة وتقلّص ما يُرسَل من بيانات. غير أنّ لكل جهازٍ ثمنًا: ثغرةٌ قد تجنّده في هجمة، كما جرى مع «ميراي» التي جنّدت نحو 600 ألف جهاز، وبياناتٌ تكشف عادات الساكنين حتى مع التشفير. والجواب أمانٌ مدمج في التصميم، ومعالجةٌ محلية حيث أمكن، وشفافيةٌ، وحمايةٌ نظامية للبيانات.
المقال مطولًا طيّ المقال
في خريف 2016 جنّدت برمجيةٌ خبيثة تُدعى «ميراي» (Mirai) نحو 600 ألف جهازٍ متصل بالشبكة، أغلبها أجهزةٌ مدمجة من أجهزة إنترنت الأشياء، ثم وجّهتها معًا إلى أهدافٍ بارزة فعطّلت خدماتها (Antonakakis وآخرون، 2017). وربما لم يعلم كثيرٌ من أصحاب تلك الأجهزة أنّ جهازًا منسيًّا في زاوية البيت صار جنديًّا في هجمة. هذه الحكاية أصدق مدخلٍ إلى الموضوع: كل شيءٍ يتّصل بالشبكة يمنحنا راحة، ويفتح بابًا في الوقت نفسه.
ما الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي؟
قدّرت شركة «IoT Analytics» عدد الأجهزة المتصلة بنحو 18.5 مليار في نهاية 2024 وبنحو 21.1 مليار في 2025، وتتوقّع نحو 39 مليارًا في 2030. وهذه تقديراتُ جهةٍ بحثية تجارية، لا أرقامٌ مقرَّرة. والعدد وحده لا يعني شيئًا: المستشعر يكتب رقمًا، والكاميرا تلتقط لقطة، ولا معنى لهما قبل التحليل.
هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي: يتعلّم ما يُعدّ معتادًا فيلتقط الشاذّ، ويحوّل سيلًا من القراءات إلى تنبيهٍ أو قرار. ولا يعني «الفهم» هنا إدراكًا كإدراكنا، فهو رصدٌ للأنماط (انظر مقال «ما هو الذكاء الاصطناعي حقًّا؟ شرحٌ مبسّط بلا مبالغة»). فإذا قلنا إنّ البيت «يعرف» أنك نمتَ، فالمقصود أنّ بياناتٍ متفرّقة اجتمعت على نمطٍ يشبه النوم.
الذكاء يقترب من الجهاز
كان المعتاد أن تُرسل الأجهزة بياناتها إلى مركز بياناتٍ بعيد. ثم شاع ما يُسمّى الحوسبة الطرفية: معالجة البيانات قرب مصدرها. وتذكر ورقة شي وزملائه (2016) أربعة دوافع: سرعة الاستجابة، وإطالة عمر البطارية، وخفض كلفة النطاق الترددي، وصون البيانات وخصوصيتها لأنها تقلّ مغادرةً للجهاز.
وفي ذلك مكسبٌ حقيقي للبيوت، لكنّ له وجهًا آخر نلاحظه نحن: حين يقرّر الجهاز بنفسه في جزءٍ من الثانية، يصعب على صاحب البيت أن يعرف على أيّ أساسٍ قرّر. فالمعالجة المحلية تحمي السرّ، ولا تغني عن الشفافية والقدرة على المراجعة.
ما تكشفه الحركة ولو شُفِّرت
يظنّ كثيرون أنّ التشفير يحجب كل شيء. غير أنّ باحثين في جامعة برينستون فحصوا سبعة أجهزة منزلية ذكية، منها مراقب نوم وكاميرات ومقابس ومساعد صوتي، فوجدوا أنّ مراقبًا للشبكة، كمزوّد الإنترنت، يستطيع أن يستدلّ من معدّلات حركة البيانات وحدها على نشاط الساكنين وإن كانت المحتويات مشفّرة (Apthorpe وآخرون، 2017). فمراقب النوم أظهر متى ذهب صاحبه إلى فراشه ومتى قام، والكاميرا أظهرت متى رُصدت حركة. واقترح الباحثون إخفاء الأنماط بإرسال بياناتٍ بمعدّلٍ ثابت، مع إضافة حركةٍ تمويهية، وقدّروا كلفة ذلك بنحو 7.5 كيلوبايت في الثانية للأجهزة غير الصوتية والمرئية، ورأوا أنّ حجب الاتصال ليس حلًّا، فقد فقدت ثلاثة من الأجهزة السبعة وظائفها كلها بدونه وبقيت لأربعةٍ منها وظائف محدودة.
والعبرة أنّ الخصوصية في البيوت الذكية لا تُحفظ بالتشفير وحده، وأنّ سؤال «ماذا يُرسَل؟» لا يكفي عن سؤال «متى يُرسَل وبأيّ نسق؟». (للتوسّع في هذا الباب انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».)
أضعف الحلقات
حين تتشارك عشرات الأجهزة شبكةً واحدة، يغدو أضعفها بابًا لغيره. وقد رأينا في «ميراي» كيف يتحوّل جهازٌ مهمل إلى أداة هجوم على غيره (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني»). ومن الخطوات التنظيمية في هذا الاتجاه نظامٌ بريطاني نافذ منذ 29 أبريل 2024، يمنع الشركات من بيع أجهزةٍ متصلة بكلمات مرور افتراضية يسهل تخمينها، ويلزمها بقناةٍ للإبلاغ عن الثغرات وببيان مدة دعم الجهاز بالتحديثات الأمنية.
ما يُفعل
- الأمان من التصميم: جهازٌ بكلمة مرور فريدة وتحديثاتٍ مضمونة، لا ترقيعٌ بعد الاختراق.
- المعالجة المحلية للحسّاس: تبقى بيانات الغرف الخاصة قريبةً من مصدرها ما أمكن.
- الشفافية للساكن: أن يعرف ما يُجمع ولماذا ولمن يُرسل، بلغةٍ يفهمها لا بنصوصٍ لا تُقرأ.
- مفتاح الإيقاف: أن يبقى للإنسان حقّ تعطيل الجهاز أو فصله دون خسارة وظائفه الأساسية.
- الحماية النظامية: يسري نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة منذ 14 سبتمبر 2024، وتشترط الإرشادات المصاحبة له أن تُجمع البيانات برضا صاحبها، وبغرضٍ مصرَّحٍ به ومحدودٍ بالقدر اللازم، وأن يكون له أن يسحب موافقته متى شاء.
والبيوت حرماتٌ، وحفظ أسرار أهلها من الأمانة. فمن اشترى جهازًا ذكيًّا فليسأل قبل الشراء عمّا يرسله، ومن صنعه فليحسب أنه يدخل بيتًا لا مختبرًا. والتقنية خادمٌ جيّد إن وُضعت حدودها، ومع التوكّل على الله لا يُترك الأخذ بالأسباب.
المراجع
- IoT Analytics, State of IoT 2025: Number of connected IoT devices growing 14% to 21.1 billion globally (28 October 2025)
- M. Antonakakis et al., Understanding the Mirai Botnet, 26th USENIX Security Symposium (2017)
- W. Shi, J. Cao, Q. Zhang, Y. Li, L. Xu, Edge Computing: Vision and Challenges, IEEE Internet of Things Journal 3(5) (2016)
- N. Apthorpe, D. Reisman, S. Sundaresan, A. Narayanan, N. Feamster, Spying on the Smart Home: Privacy Attacks and Defenses on Encrypted IoT Traffic (2017)
- The Hacker News, New U.K. Law Bans Default Passwords on Smart Devices (April 2024)
- CMS, New SDAIA rules and guidelines published as KSA's personal data protection framework is now enforceable (26 September 2024)


