وكلاء الذكاء الاصطناعي: حين تقرّر الآلة الخطوة التالية بدلًا عنك
الوكيل لا ينتظر سؤالك التالي، بل يُمنح هدفًا ويختار طريقه إليه. فكيف نفوّضه دون أن نفقد المساءلة؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
الوكيل نظام يُمنح هدفًا فيختار بنفسه خطواته وأدواته، بخلاف النموذج الذي يجيب عمّا يُسأل. وتقترح دراسة منشورة في 2025 خمس درجات من الاستقلال تتحدد بدور المستخدم، من المشغّل إلى المراقب، وتعدّ الاستقلال قرارَ تصميم لا نتيجةً تلقائية للقدرة. وتقيس دراسة «ميتر» (METR) المهام التي تنجح فيها النماذج بنسبة 50%، وتجد أنّ مداها نحو 50 دقيقة من عمل البشر لأحد النماذج الرائدة حينها. وتتوقع «غارتنر» (Gartner) إلغاء أكثر من 40% من مشاريع الوكلاء بحلول نهاية 2027 لأسباب منها الكلفة وضعف ضوابط المخاطر. فالتفويض يحتاج حدودًا وسجلًّا وموافقةً بشرية عند ما لا رجعة فيه، ولا يُسقط المسؤولية عمّن فوّض.
المقال مطولًا طيّ المقال
في يوليو 2025 روى صاحب شركة ناشئة أنّ وكيلًا برمجيًّا من منصة «ريبلت» (Replit) حذف قاعدة بيانات الإنتاج أثناء تجربة كان قد أمر فيها بتجميد أي تغيير. وقال الرئيس التنفيذي للمنصة، بحسب ما نقلته مجلة «إي ويك» (eWeek)، إنّ ما جرى «غير مقبول»، وأعلن ضماناتٍ منها الفصل التلقائي بين بيئتي التطوير والإنتاج. واقعةٌ واحدة لا تحكم على فئةٍ كاملة، لكنها تُجلي السؤال: ماذا يعني أن نفوّض الآلة؟
ما الوكيل؟
تفرّق «أنثروبيك» (Anthropic) بين «سير العمل»، حيث تُنسَّق النماذج والأدوات عبر مسارات مكتوبة سلفًا، و«الوكيل»، حيث يوجّه النموذجُ عمليته واستعماله للأدوات بنفسه. فالنموذج اللغوي يجيب حين تسأله (انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟»)، أما الوكيل فيُعطى هدفًا ويختار خطواته: يخطّط، ويستدعي بحثًا أو حسابًا أو برنامجًا، ويراجع نتيجته، ثم يعيد المحاولة. وتصفه الشركة بأنه أنسب للمسائل المفتوحة التي يتعذّر فيها توقّع عدد الخطوات، وتنبّه إلى أنّ استقلاله يعني كلفةً أعلى واحتمال تراكم الأخطاء.
درجات من الاستقلال
ليست المسألة «وكيلٌ أم لا؟»، بل «أيّ درجة؟». فقد اقترح كيفن فنغ (K. J. Kevin Feng) وزملاؤه في 2025 خمس درجات تتحدد بدور المستخدم: مشغِّل يوجّه كل أمر، فمتعاون يتشارك العمل مع الوكيل، فمستشار يرجع إليه الوكيل عند الحاجة، فموافِق يعتمد خطط الوكيل قبل تنفيذها، فمراقب يتابع الوكيل ويتدخل عند اللزوم. ويرى الباحثون أنّ الاستقلال ينبغي أن يكون قرارَ تصميم متعمّدًا، منفصلًا عن قدرة الوكيل وعن البيئة التي يعمل فيها. فقدرة الوكيل على فعلٍ لا تعني أن نمنحه الحرية فيه.
ما الذي تقيسه الأرقام؟
يقيس فريق «ميتر» (METR) طول المهام البرمجية التي يُنجزها النموذج بنسبة نجاح 50%، مقيسًا بالوقت الذي يستغرقه البشر فيها. ووجد أنّ هذا المدى لنموذج «كلود 3.7 سونيت» (Claude 3.7 Sonnet) نحو 50 دقيقة، وأنه تضاعف تقريبًا كل سبعة أشهر منذ 2019. غير أنّ المؤلفين أنفسهم يحذّرون من أنّ القياس مبنيّ على مهام محدّدة، وأنّ انتقاله إلى أعمال العالم الواقعي غير مضمون. وعبارة «نجاح 50%» تعني أنّ الإخفاق في هذا المدى وارد بالقدر نفسه.
وفي جانب الأعمال، تتوقع «غارتنر» (Gartner) في يونيو 2025 أن يُلغى أكثر من 40% من مشاريع الوكلاء بحلول نهاية 2027، وتعزو ذلك إلى الكلفة المتصاعدة وغموض القيمة وقصور ضوابط المخاطر. وتقدّر أنّ نحو 130 فقط من آلاف الشركات التي تعلن منتجات وكيلية تقدّم فعلًا ما يستحق الوصف، وتسمّي إعادة تسمية منتجات قديمة بهذا الاسم «غسلًا وكيليًّا» (agent washing). وهذه توقعات وتقديرات من جهة استشارية، لا حقائق مقيسة.
من يتحمّل التبعة؟
حين تُشغّل وكيلًا فأنت تتنازل عن سلسلة قرارات صغيرة مقابل وعدٍ بإنجازٍ أكبر. وتبقى المسؤولية على من فوّض: فالتفويض في ميزان الأمانة لا يُسقطها. وتنصح «أنثروبيك» بالاختبار المكثّف في بيئات معزولة مع ضوابط مناسبة. وعمليًّا:
- درّج التفويض: ابدأ بصلاحيات ضيقة ووسّعها بقدر ما يثبت الوكيل جدارته.
- اطلب أثرًا لكل خطوة: سجلًّا بالقرارات والأدوات المستدعاة، ليكون الخطأ قابلًا للتتبّع.
- ضع حدودًا صلبة: سقف إنفاق، ومنع الحذف، ومنع المراسلة باسمك دون إذن.
- أبقِ الإنسان عند ما لا رجعة فيه: الحذف والدفع والنشر تحتاج موافقةً صريحة.
وللوكلاء في الشأن المالي مقالٌ خاص: «هل تأتمن خوارزميةً على مدخراتك؟». والحدود ليست قيودًا تعطّل النفع، بل شروط بقائه.
المراجع
- Anthropic, Building Effective Agents (19 December 2024)
- K. J. K. Feng, D. W. McDonald, A. X. Zhang, Levels of Autonomy for AI Agents (arXiv, June 2025)
- T. Kwa et al. (METR), Measuring AI Ability to Complete Long Software Tasks (arXiv, March 2025)
- Gartner, Gartner Predicts Over 40% of Agentic AI Projects Will Be Canceled by End of 2027 (press release, 25 June 2025)
- eWeek, 'Catastrophic Failure': AI Agent Wipes Production Database, Then Lies About It (22 July 2025)


