قراءة الأفكار بين الوعد والواقع: واجهات الدماغ والحاسوب
مصابةٌ بالتصلّب الجانبي تتكلم بنحو 62 كلمة في الدقيقة عبر غرسة دماغية. فهل صارت الأفكار مقروءة؟ ما تقوله الأوراق العلمية أدقّ.

كبسولة نانودقيقة واحدة
في دراسة نُشرت في «نيتشر» عام 2023 ترجم نظام غرسة دماغية محاولات الكلام لدى مصابة بالتصلّب الجانبي الضموري بمتوسط 62 كلمة في الدقيقة، لكن بنسبة خطأ نحو 24% مع معجمٍ كبير، ولمشاركة واحدة. وفي دراسة أخرى فُكّ معنى الكلام من تصوير الدماغ دون جراحة، غير أنه لم يعمل إلا بتعاون صاحب الدماغ وبعد تدريبٍ خاص به، وفشل إذا قاومه. فنحن بعيدون عن «قراءة الأفكار» العامة. ومع ذلك أسّست دولٌ ومنظمات حقوقًا للبيانات العصبية. فنحرص على ثلاثة: العلاج أولًا، والموافقة الحرة، وسيادة الإنسان على نشاط دماغه.
المقال مطولًا طيّ المقال
ستّون كلمةً في الدقيقة تقريبًا: هذه سرعة الكلام التي حقّقتها مشاركةٌ مصابة بالتصلّب الجانبي الضموري عبر أقطابٍ مزروعة في قشرة دماغها، في دراسة نُشرت في «نيتشر» عام 2023. كان الرقم القياسي السابق للواجهات الدماغية 18 كلمة في الدقيقة. فهل نقف على عتبة «قراءة الأفكار»؟ لننظر فيما قالته الأوراق.
ماذا فعلت الغرسة؟
سجّلت الغرسة نشاط مناطق في القشرة الدماغية مرتبطة بالكلام، وترجمه نظامٌ تعلّمي إلى كلمات. بلغ المتوسط 62 كلمة في الدقيقة، لكنّ نسبة الخطأ بلغت 9.1% مع معجمٍ من 50 كلمة، وارتفعت إلى 23.8% مع معجمٍ من 125 ألف كلمة، وهي نسبةٌ تفوق كثيرًا أنظمة تحويل الكلام إلى نص (نحو 4–5%). ويصف الباحثون عملهم بأنه إثبات جدوى لا نظامٌ سريري جاهز: فهو لمشاركةٍ واحدة، ويتطلب تدريبًا يوميًّا على مئات الجمل، ويحتاج إلى معايرةٍ كلما تغيّر النشاط العصبي.
وفائدة هذا واضحة لمن فقدوا القدرة على النطق. فهنا يؤدي الذكاء الاصطناعي دور المترجم بين لغة الإشارات العصبية ولغة البشر.
وهل يقرأ ما لم ننطق به؟
عمل فريقٌ آخر على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي دون جراحة، فاستطاع نظامهم أن يعيد بناء مضمون الكلام المسموع أو المتخيَّل في صورة عبارات تحاكي المعنى لا اللفظ. لكنّ النتائج جاءت مقيَّدة بشرطين.
الأول التعاون: لم يعمل الفكّ إلا بمشاركة صاحب الدماغ في التدريب وفي التطبيق، فإذا قاوم، كأن يعدّ بمضاعفات السبعة أو يتخيّل قصةً أخرى، هبط الأداء إلى ما يقارب الصفر في بعض الحالات. والثاني الخصوصية في لغة الدماغ: فالنظام المدرَّب على دماغٍ آخر استعاد 1–5% فقط من المقاطع، مقابل 65–82% حين دُرِّب على صاحب الدماغ نفسه. وكأن لكل دماغٍ لهجته. ويحتاج التدريب إلى عدة جلساتٍ في جهاز تصوير ضخم.
فالصورة العلمية اليوم أنّ «قراءة الأفكار» العامة، التي تعمل على أي إنسان خلسةً، ليست قائمة، ولا يعلم أحد أتقوم أصلًا. ويرى الباحثون أنفسهم أنّ اشتراط التعاون يحمي الخصوصية في الوقت الراهن.
لماذا تتحرك القوانين؟
ومع ذلك فالحذر سابق للتقنية. ففي 25 أكتوبر 2021 نُشر في تشيلي القانون 21.383 الذي عدّل المادة 19 من الدستور، وهو أول نصٍّ دستوري يحمي الحقوق العصبية بحسب مكتب «Carey» القانوني، ويوجب على القانون أن يحدّد حدود استعمال هذه التقنيات مع صون النشاط الدماغي والمعلومات المستمدّة منه. وفي 12 نوفمبر 2025 أقرّ المؤتمر العام لليونسكو «توصية أخلاقيات التقنيات العصبية»، وهي غير ملزمة، وتصف البيانات العصبية بأنها خاصةٌ وقد تكون بالغة الحساسية، وتدعو إلى حظر استعمالها في أنظمة التوصية المُوجِّهة للسلوك ومنع التسويق العصبي أثناء النوم.
ما الذي ينبغي أن نحرص عليه؟
أولًا: تقديم العلاج على التعزيز. فأصدق منفعةٍ اليوم تعود على من فقد النطق أو الحركة، وهم الأحوج إلى الجهد والتمويل. ثانيًا: موافقةٌ حرّة مستنيرة قابلة للرجوع، لأنّ ما يُجمع من إشارات الدماغ لا يشبه غيره من البيانات. ثالثًا: حدودٌ تمنع استعمال هذه البيانات في الإعلان والتأثير في السلوك. وهذه الأطر تحفظ كرامة الإنسان وخصوصيته، وقد تناولنا أصول الخصوصية في مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».
وإذا انتقلت الواجهات يومًا من العلاج إلى التعزيز فسيبرز سؤال العدالة: من يملك ثمن الترقية؟ سؤالٌ نطرحه الآن ولا نملك جوابه، ولا ينبغي أن يؤجَّل إلى حين وقوعه. وما يجوز من هذا التعزيز وما لا يجوز يرجع فيه إلى أهل العلم الشرعي والاختصاص الطبي.
المراجع
- F. R. Willett et al., A high-performance speech neuroprosthesis, Nature (2023)
- J. Tang et al., Semantic reconstruction of continuous language from non-invasive brain recordings, Nature Neuroscience (2023)
- Carey, Law No. 21.383: constitutional reform to establish scientific and technological development at the service of the people is published (Chile, 25 October 2021)
- Global Policy Watch, UNESCO Adopts First Global Framework on Neurotechnology Ethics (January 2026)


