التقنيات والنماذج

هندسة الأسئلة: وضوح الفكر قبل الحيلة اللغوية

الحيلة اللغوية تتقادم مع كل جيل من النماذج، أما وضوح الغاية والمادة والمعيار فيصمد. هذه خلاصة ما تقوله الأبحاث، وما يُفعل في العربية.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

روبوت يظهر على شاشة حاسوب محمول على مكتب

كبسولة نانودقيقة واحدة

هندسة الأسئلة (Prompt Engineering) فنّ صياغة الطلب الموجَّه إلى النموذج اللغوي حتى يصل إلى الجواب المقصود. وصياغة الطلب تغيّر النتيجة فعلًا: فعبارة «لنفكّر خطوة خطوة» رفعت دقة نموذج في مسائل حسابية من 17.7% إلى 78.7% في تجربة منشورة عام 2022. لكن الفائدة تتبدّل بتبدّل النماذج؛ فقد وجد تقرير بحثي عام 2025 أن أثر هذه العبارة صار هامشيًّا في النماذج المفكِّرة، ولم تُظهر دراسة أخرى أن إسناد «دور الخبير» يرفع الدقة في الأسئلة الواقعية. فالثابت ليس الحيلة، بل وضوح الغاية والمادة والشكل المطلوب، ثم التجربة بمعيار محدد سلفًا. وفي العربية يلزم مزيد من الوضوح والأمثلة والتحقق.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في عام 2022 أضاف باحثون إلى مسألة حسابية عبارةً واحدة: «لنفكّر خطوة خطوة». فارتفعت دقة النموذج الذي اختبروه من 17.7% إلى 78.7% في اختبار مسائل «مالتي أريث» (MultiArith)، ومن 10.4% إلى 40.7% في مسائل الحساب اللفظي «جي إس إم 8 كيه» (GSM8K)، كما أوردت ورقة كوجيما (Kojima) وزملائه. النموذج نفسه والمسائل نفسها؛ تغيّرت الصياغة وحدها.

لماذا تغيّر الصياغةُ الجواب؟

النموذج اللغوي يولّد النص كلمةً بعد كلمة اعتمادًا على ما سبقها (انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟»)، فكل ما نكتبه في الطلب يوجّه ما يأتي بعده. والطلب المبهم يستدعي جوابًا عامًّا يشبه المألوف، أما التعليمات الدقيقة والمادة المرفقة والمثال فتقرّب النموذج من المقصود. وهذا ما تسمّيه الأدبيات «هندسة المطالبات»، ونسمّيها هنا «هندسة الأسئلة» لأن جوهرها حسن السؤال لا إصدار الأوامر.

ما الذي خفّ أثره؟

عبارة «لنفكّر خطوة خطوة» صورةٌ مبسّطة من تقنية «سلسلة التفكير»: أن يكتب النموذج خطوات استدلاله قبل أن يعلن الجواب. غير أن النماذج تغيّرت. ففي تقرير بحثي عام 2025 من فريق في كلية وارتن (Wharton) تبيّن أن الطلب الصريح «فكّر خطوة خطوة» يعطي في النماذج غير المفكِّرة تحسّنًا صغيرًا في المتوسط، وقد يُضعف اتساق الإجابات، وأن مكسبه في النماذج المفكِّرة هامشي إن وُجد، مع كلفة أعلى في الزمن والرموز. فنصيحة الأمس ليست قانون اليوم.

هل للأدوار سحر؟

شاع أن يبدأ الطلب بعبارة «أنت خبير في…». لكن دراسة منهجية اختبرت 162 دورًا على 2,410 سؤالًا واقعيًّا في أربع عائلات من النماذج، فلم تجد أن إضافة الدور ترفع الدقة قياسًا بغيابه، وخلصت إلى أن أثر كل دور قد يكون عشوائيًّا إلى حدٍّ بعيد. والدراسة تقيس الدقة في أسئلة معرفية؛ أما ضبط النبرة والجمهور فمسألة أخرى لم تقسها.

وتبدأ إرشادات أنثروبيك (Anthropic) من خطوة أسبق: معيار نجاح واضح، وطريقة لاختبار الطلب تجريبيًّا، ونصّ أول يُحسَّن. وتنبّه إلى أن الطلب لا يعالج إلا ما يتحكّم فيه الطلب، وأن الكلفة والزمن قد يصلحان أحيانًا باختيار نموذج آخر. ومن تقنياتها التي تعدّدها: الوضوح والأمثلة، والتفكير، وتسلسل الطلبات.

عادات تصمد مع تغيّر النماذج

هذه خلاصة عملية تتّفق مع ما سبق، لا وصفة مثبتة بذاتها:

  • حدّد الغاية والجمهور: لمن تكتب؟ وأي قرار سيبنيه القارئ على الجواب؟
  • أرفق المادة: الوثيقة أو الأرقام أو القيود، ولا تدع النموذج يخمّن.
  • حدّد الشكل: الطول وعدد النقاط واللغة والنبرة.
  • أضف مثالًا أو مثالين حين يصعب وصف المطلوب.
  • جزّئ المهمة الكبيرة إلى خطوات وراجع كل خطوة.
  • اكتب ما لا تريده، ثم عدّل الطلب وقِس الفرق بمعيار حدّدته قبل التجربة.

وفي العربية

يشير معيار منشور عام 2026 لاختبار استدعاء الأدوات بالعربية إلى أن الدقة تنخفض في المتوسط بين 5% و10% حين يتفاعل المستخدم بالعربية، ويلاحظ أن كثيرًا من النماذج يغلب على تدريبها المسبق الإنجليزية. وهذا في مهمة محددة، فلا يُعمَّم على كل استعمال. لكنه يُرجّح أن يكون الوضوح والمثال والتحقق من الجواب أنفع للعربي منه لغيره (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي»).

مهارة أم مهنة؟

نقلت «كورن فيري» (Korn Ferry) في أبريل 2025 عن استطلاع لمايكروسوفت شمل 31 ألف عامل في 31 دولة أن «هندسة المطالبات» جاءت قبل الأخيرة بين الأدوار الجديدة التي تفكّر الشركات في استحداثها خلال 12 إلى 18 شهرًا، وعزت ذلك إلى أن النماذج الأحدث تجيب جيدًا عن معظم الأسئلة، وأن الشركات صارت تتوقع من كل موظف أن يستعمل الذكاء الاصطناعي. فالأقرب أنها كفاءة عامة، كالكتابة الواضحة، لا وظيفة قائمة بذاتها.

وأصلها لا يتغيّر: من لم يحدّد ما يريد لن تنقذه صياغة. وللأمانة وجهٌ آخر؛ فالنموذج يجيب بطلاقة ولو أخطأ، فاقرأ جوابه قراءة ناقد، ولا توظّف مهارتك في إنتاج ما يضلّل الناس. والأخذ بالأسباب في الصياغة والتحقق لا يغني عن التوكل على الله، ولا يغني التوكل عنه.

المراجع

  1. T. Kojima, S. Gu, M. Reid, Y. Matsuo, Y. Iwasawa, Large Language Models are Zero-Shot Reasoners, NeurIPS 2022
  2. Wharton School researchers, Prompting Science Report 2: The Decreasing Value of Chain of Thought in Prompting (2025)
  3. Is "A Helpful Assistant" the Best Role for Large Language Models? A Systematic Evaluation of Social Roles in System Prompts (arXiv 2311.10054)
  4. Anthropic, Prompt engineering overview (Claude documentation)
  5. Arabic Prompts with English Tools: A Benchmark (arXiv 2601.05101, 2026)
  6. Korn Ferry, The Hottest Job of the Year Goes Cold (29 April 2025)