وكيلك الرقمي: ماذا تفوّضه وماذا تُبقي لنفسك؟
حين يتولى مساعدٌ ذكي الحجز والصياغة والاقتراح، يتسع ما نفوّضه بنقرة واحدة. فأين نضع الحدّ؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
ينتقل المساعدون الرقميون من الإجابة عن الأسئلة إلى التصرف نيابةً عن أصحابهم، فيحجزون ويصوغون ويقترحون. والإشكال في حدود التفويض لا في الأداة. ففي تجربة أمريكية شارك فيها 543 شخصًا وافق 93% على شروط خدمة تتضمن التنازل عن الابن البكر، لأن أحدًا لا يقرؤها. وتربط دراسات بين كثرة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي وضعف التفكير النقدي، غير أنّ الدليل ارتباطي لا يثبت السببية. والخلاصة: فوّض الروتين القابل للتراجع، وأبقِ القرارات ذات الأثر بيدك، واسأل دائمًا: لمصلحة من يعمل وكيلي، وماذا يعرف عني؟
المقال مطولًا طيّ المقال
دُعي 543 شخصًا في تجربة أمريكية إلى الانضمام إلى شبكة اجتماعية وهمية اسمها «نيم دروب» (NameDrop). تضمّنت شروط الخدمة بندًا يجعل «الابن البكر» ثمنًا للاشتراك. وافق 93% على الشروط، ولم ينتبه نحو 98% إلى البنود المدسوسة. لم يكن هؤلاء سذّجًا؛ فقد قضوا في المتوسط نحو 51 ثانية مع الشروط، ويقدّر الباحثان أنّ قراءتها تستغرق بين 15 و17 دقيقة.
التفويض لا يبدأ حين نظن
يوصف جيل جديد من المساعدين الرقميين بأنه «وكيل»: لا يجيب عن سؤالك فحسب، بل يحجز ويراسل ويقارن ويقترح. والتفويض الأول الذي يمنحه له صاحبه ليس قرارًا مدروسًا، بل نقرة على «أوافق». هذه هي دلالة تجربة «نيم دروب»: نحن نفوّض بالعادة قبل أن نفوّض بالرأي. فإذا صار الوكيل يتصرف باسمك، لزم أن تعرف ما سمحتَ له به فعلًا، لا ما تظن أنك سمحت.
ما الذي يتغير في عقولنا؟
يعرّف الباحثان إيفان ريسكو وسام غيلبرت (Risko & Gilbert) «التفريغ المعرفي» بأنه استعمال فعلٍ مادي لتغيير متطلبات معالجة المعلومات في مهمةٍ ما، بغرض تقليل الجهد الذهني. وهو سلوك يومي عادي، كضبط تذكير في الهاتف. وليس ضارًّا بذاته؛ فقد وجدت سبارو (Betsy Sparrow) وزملاؤها عام 2011 أنّ من يتوقع بقاء المعلومة متاحةً يتذكّر مكانها أكثر من المعلومة نفسها.
أما الأدلة عن أثر المساعدات الذكية الحديثة فلا تزال أولية. فقد وجد ميخائيل غيرليش (Michael Gerlich) في مسح شمل 666 مشاركًا في بريطانيا ارتباطًا سالبًا بين كثرة استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي ودرجات التفكير النقدي، لكنه قاس بالتقرير الذاتي، ومن الجائز أن يكون من يضعف نقده أميلَ إلى الاتكال لا العكس. وفي دراسة أصغر (54 مشاركًا، منشورة على منصة arXiv قبل التحكيم) سجّل تخطيط الدماغ لدى المجموعة التي كتبت بمساعدة نموذج لغوي اتصالًا عصبيًّا أضعف مما سجّلته مجموعتا محرك البحث والكتابة دون أداة. وهذه مؤشرات تستدعي التمحيص، لا أحكامًا نهائية على «إضعاف الأدمغة».
لمصلحة من يعمل؟
الوكيل الذي يعرف جدولك ورسائلك وعاداتك يملك صورة عنك لا يملكها أقرب الناس. ويلزم أن تسأل: من يملك هذا الوكيل؟ وأين تُخزَّن بياناتي؟ وهل أستطيع مراجعة ما فعله باسمي؟ وتنصّ مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المحدَّثة عام 2024 على أن يُقيم الفاعلون في الذكاء الاصطناعي آليات وضمانات، منها إتاحة المجال لإشراف بشري وقدرةٍ على التدخل بحسب السياق. فالإنسان في الحلقة مبدأ مكتوب، لكنه لا يتحقق إلا حين نمارسه.
قواعد عملية للتفويض
- فوّض الروتين القابل للتراجع: جدولة موعد، تلخيص نص، ترتيب قائمة.
- أبقِ بيدك ما لا يُسترجع أو ما تحكمه القيم: رسالة عتاب، قرار مالي كبير، موقف يمس الأهل والأمانات.
- اقرأ ما يُطلب منك الموافقة عليه: صلاحيات الوصول إلى الحساب والمراسلات والمدفوعات أولًا.
- راجع سجلّ ما فعله الوكيل بين حين وآخر، واحتفظ بساعات تفكّر فيها وتكتب وتختار بنفسك.
وفي ذلك كله أخذٌ بالأسباب مع توكّلٍ على الله، فالأمانة في القرار مسؤولية صاحبها لا تُسنَد إلى برنامج. وأما صورة الأعوام المقبلة وما ستؤول إليه هذه الأدوات فلا يعلم تفاصيلها إلا الله؛ الثابت أنّ كل تفويض نمنحه اليوم نملك سحبه إن أحسنّا قراءته.
المراجع
- J. A. Obar & A. Oeldorf-Hirsch, The Biggest Lie on the Internet: Ignoring the Privacy Policies and Terms of Service Policies of Social Networking Services, SSRN (2018)
- E. F. Risko & S. J. Gilbert, Cognitive Offloading, Trends in Cognitive Sciences 20(9), 2016
- B. Sparrow, J. Liu & D. M. Wegner, Google Effects on Memory: Cognitive Consequences of Having Information at Our Fingertips, Science 333, 2011
- M. Gerlich, AI Tools in Society: Impacts on Cognitive Offloading and the Future of Critical Thinking, Societies 15(1), 6 (2025)
- N. Kosmyna et al., Your Brain on ChatGPT: Accumulation of Cognitive Debt when Using an AI Assistant for Essay Writing Task, arXiv:2506.08872 (2025, preprint)
- OECD AI Principles, Principle 1.2: Respect of the rule of law, human rights and democratic values, including fairness and privacy


