الشبكات العصبية والدماغ: ما الذي يخدعنا في الاسم؟
قيل إنّ الشبكات الاصطناعية «تحاكي الدماغ». المقارنة تُظهر شبهًا بعيدًا، وفروقًا تُغيّر طريقة استعمالنا لها.

كبسولة نانودقيقة واحدة
سمّيت الشبكات العصبية الاصطناعية باسم الدماغ، لكنّ الشبه بينهما بعيد. فالدماغ البشري يضمّ نحو 86 مليار خلية عصبية، ويستهلك قرابة خُمس طاقة الجسم وهو لا يزيد على 2% من وزنه. وتشير دراسة عام 2021 إلى أنّ محاكاة خلية عصبية قشرية واحدة في نموذج حاسوبي تحتاج شبكة اصطناعية من خمس إلى ثماني طبقات، وزهاء ألف عقدة. والشبكات تتفوق في ميادين محددة حتى نال مطوّرو «ألفافولد» نوبل في الكيمياء 2024، لكنها قد تُخدع بتغيير لا تلحظه العين. فتعامل معها أداةً متخصصة لا عقلًا مصغّرًا، وأبقِ الحكم الأخير للإنسان.
المقال مطولًا طيّ المقال
هل تعمل الشبكات العصبية الاصطناعية كما يعمل دماغك؟ الجواب الأمين: اقتبست من الدماغ فكرةً ثم مضت في طريق آخر، كما تشبه الطائرةُ العصفورَ في أنّ كليهما يطير. ومعرفة هذا الفرق تحمينا من أن نطلب منها ما لا تُحسنه.
فكرة مستعارة لا نسخة
بدأ الأمر عام 1943 حين قدّم وارن مكلوك (Warren McCulloch) ووالتر بِتس (Walter Pitts) نموذجًا رياضيًّا مبسّطًا للخلية العصبية، هو أول «خلية اصطناعية». ثم ابتكر فرانك روزنبلات (Frank Rosenblatt) «البرسبترون» (Perceptron) عام 1958، ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن البحرية الأمريكية أنه «جنين» حاسوب إلكتروني يُنتظر أن يمشي ويتكلم ويرى. وفي 1969 بيّن مارفن مينسكي (Marvin Minsky) وسيمور بابرت (Seymour Papert) أنّ البرسبترون ذا الطبقة الواحدة يعجز عن تعلّم دالة «أو الحصرية» (XOR)، فتراجع الاهتمام والتمويل سنوات. وكثيرًا ما يُظنّ أنهما أبطلا الشبكات متعددة الطبقات، وهما كانا يعلمان أنها تستطيع ذلك. ودرس هذه الحكاية أنّ الوعود المبالغ فيها تُرتدّ على أصحابها.
ما حجم الهوّة؟
يضم الدماغ البشري البالغ، في دراسة أزيفيدو (Azevedo) وزملائه عام 2009، نحو 86.1 ± 8.1 مليار خلية عصبية (عُدّت فيها الخلايا الموسومة بـ NeuN، وكانت عيّنتها من ذكور بالغين). وهو لا يشكّل إلا نحو 2% من وزن الجسم، لكنه يستهلك قرابة 20% من أكسجينه وسعراته، بحسب مراجعة رايخل (Raichle) وغوسنارد (Gusnard) عام 2002.
لكنّ العدد وحده يخدع. فقد وجد بنيَغويف (Beniaguev) وسيغيف (Segev) ولندن (London) أنّ محاكاة سلوك خلية عصبية قشرية واحدة (نموذج لخلية هرمية من قشرة فأر، لا خلية بشرية) احتاجت شبكة عميقة من خمس إلى ثماني طبقات، وفي أغلب النماذج نحو ألف عقدة اصطناعية. أي أنّ الخلية الحية تحسب داخلها أكثر مما تحسبه عقدة الشبكة. فاسم «العصبية» استعارةٌ لا وصف.
متى تتفوّق الشبكات؟
ليس في هذا تقليلٌ من شأنها. فقد نال ديميس هاسابيس (Demis Hassabis) وجون جمبر (John Jumper) جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024 عن «ألفافولد 2» (AlphaFold2) في التنبؤ ببنى البروتينات، وشاركهما ديفيد بيكر (David Baker) عن تصميم بروتينات جديدة. وأفادت جامعة أوترخت بأنهما حلّا «مشكلة عمرها 50 سنة». ولا شك أنّ في هذا قدرةً حقيقية.
غير أنّ هذه الإنجازات تنجح حيث الهدف محدّد والنتيجة قابلة للقياس والبيانات وفيرة. وهنا الفرق: الإنسان يعمّم في ميادين غير مضبوطة، وكثيرًا ما يتعلّم من أمثلة قليلة، بينما تحتاج الشبكات عادةً إلى بيانات أكثر بكثير، وتتعثر خارج ما تدرّبت عليه. وقد أظهر زيغدي (Szegedy) وزملاؤه عام 2013 أنه يمكن جعل شبكة تُخطئ في تصنيف صورة بتغيير «لا يُدرَك» بالعين. وهذه هشاشة لا يشاركها البصر البشري على الشكل نفسه.
فروق بنيوية تُغيّر الاستعمال
- التعلّم والتشغيل: في أغلب النماذج الحالية يتوقف التعلّم عند نهاية التدريب، ثم تُستعمل الشبكة كما هي. أما الدماغ فيتعلّم وهو يعمل.
- الفهم: ما تفعله الشبكة تحسينٌ إحصائي لأوزان عددية، وهو يُنتج سلوكًا ذكيًّا دون أن يعني بالضرورة فهمًا كفهمنا. وقد عالجنا هذا الالتباس في مقال «ما هو الذكاء الاصطناعي حقًّا؟».
ما الذي ينفعنا من هذا؟
إذا أخذنا الصورة الصحيحة، سهل الحكم. فاستعمل الشبكة حيث تتفوق: ميادين محددة وفيرة البيانات، وأبقِ الإنسان حيث يلزم السياق والمسؤولية. وانظر إلى البيانات على أنها ما تتعلّم منه الآلة، فلا ترى من العالم إلا ما عُرض عليها، والعربية ما تزال أقل حضورًا من غيرها في كثير من هذه البيانات، كما في مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».
وسؤال «هل تُقلّد الشبكةُ الدماغَ؟» يُغفل ما هو أنفع: ماذا تفعل هذه البنية الرياضية حقًّا؟ وأين تقصّر؟ فمن عرف قدر الأداة وحدودها أحسن استعمالها، ومن ظنّها عقلًا مصغّرًا ائتمنها على ما لا تُؤتمن عليه.
المراجع
- Wikipedia, Perceptron (تاريخ McCulloch–Pitts 1943 وRosenblatt 1958 وMinsky–Papert 1969)
- Azevedo et al., Equal numbers of neuronal and nonneuronal cells make the human brain an isometrically scaled-up primate brain, J. Comp. Neurol. 513(5) (2009)
- Raichle & Gusnard, Appraising the brain's energy budget, PNAS 99(16) (2002)
- Quanta Magazine, How Computationally Complex Is a Single Neuron? (2 September 2021) — يعرض دراسة Beniaguev, Segev & London
- Szegedy et al., Intriguing properties of neural networks, arXiv:1312.6199 (2013)
- Utrecht University, Nobel Prize in Chemistry 2024 for AlphaFold2 and protein design


