الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي: النموذج الأفضل لا يكفي
حين تقترب النماذج المفتوحة من المغلقة وتهبط الكلفة، يتحوّل السؤال من «من الأذكى؟» إلى «ما الذي يصعب نسخه؟».

كبسولة نانودقيقة واحدة
تميل تقنية الذكاء الاصطناعي إلى أن تصير متاحة للجميع. فبحسب ملخصٍ لمؤشر ستانفورد 2025 تقلّصت الفجوة بين أفضل نموذج مغلق وأفضل نموذج مفتوح من نحو 8 نقاط في يناير 2024 إلى نحو 2% في فبراير 2025، وهبطت كلفة الاستعمال بأكثر من 280 ضعفًا بين نوفمبر 2022 وأكتوبر 2024. لذلك لا يحمي التفوق التقني وحده شركةً ناشئة. وليست النجاة قاعدة سهلة: ففي بيانات أمريكية بقيت نحو نصف المنشآت الخاصة بعد خمس سنوات، وعزا 42% من المؤسسين في 101 تجربة فاشلة إخفاقهم إلى غياب حاجة حقيقية في السوق. والمرجّح أن يصمد من يملك ما يصعب نسخه: بيانات متراكمة، أو قنوات توزيع، أو فهمًا عميقًا لمشكلة موجعة.
المقال مطولًا طيّ المقال
تخيّل مؤسِّسًا قضى سنتين في بناء نموذج يتفوّق على منافسيه في اختبار قياسي، ثم أطلق منافس أكبر بديلًا قريبًا منه بسعر أقل. هل ضاعت السنتان؟ ليس بالضرورة، لكن الميزة التي ظنّها حصنًا قد لا تكون كذلك. وهذا السؤال هو ما يفصل بين شركة تبهر ثم تتلاشى، وأخرى تبقى.
تقنية تقترب من أن تصير سلعة
ينقل ملخص لتقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي (AI Index 2025) من جامعة ستانفورد، استنادًا إلى منصة «تشاتبوت أرينا» (Chatbot Arena)، أنّ الفجوة بين أفضل نموذج مغلق وأفضل نموذج مفتوح الأوزان تقلّصت من نحو 8 نقاط مئوية في يناير 2024 إلى نحو 2% في فبراير 2025. وذكر التقرير في موضع آخر أنّ كلفة الاستعلام من نموذج بمستوى GPT-3.5 هبطت من 20 دولارًا لكل مليون رمز في نوفمبر 2022 إلى 0.07 دولار في أكتوبر 2024.
وعلينا الحذر: منصة «تشاتبوت أرينا» تعتمد على تفضيلات المستخدمين، فهي مقياس واحد لا يعني أنّ النموذجين متساويان في كل مهمة. لكن الاتجاه واضح: ما كان تفوّقًا يصبح خط أساس.
ماذا نعرف عن النجاة؟
أقل مما يُشاع. لم نقف على أرقام موثّقة تخصّ إخفاق الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي تحديدًا، فنكتفي بصورة أعمّ:
- تُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أنّ 77.9% من المنشآت الخاصة التي فُتحت في السنة المنتهية في مارس 2024 كانت قائمة في مارس 2025، وأنّ 51.4% من منشآت السنة المنتهية في مارس 2020 بقيت بعد خمس سنوات، و34.7% من منشآت السنة المنتهية في مارس 2015 بقيت بعد عشر. وهذه بيانات كل القطاعات الخاصة لا الذكاء الاصطناعي وحده.
- وفي تحليل لشركة «سي بي إنسايتس» (CB Insights) لـ101 رسالة كتبها مؤسسون عن إخفاقهم، نُشر عام 2014، ذكر 42% أنّ السبب الأول غياب حاجة في السوق. وهذه عيّنة محدودة قديمة، لكنها تلتقي مع منطق السؤال الذي يطرحه هذا المقال.
ما الذي يصعب نسخه؟
ما يلي إطار تحليلي من هيئة التحرير، لا نتيجة قياس:
البيانات التي ينتجها المنتج نفسه. إذا كان كل استعمال يحسّن المنتج ويجذب مستخدمين أكثر، اتسع الفارق عن المنافس. أما البيانات المشتراة أو المتاحة للجميع فلا تُحصّن أحدًا.
التوزيع. من يملك علاقة بالعميل يستطيع أن يضيف الميزة الذكية إلى منتج قائم. فقد تخسر شركة ناشئة ميزتها حين يدمجها لاعب كبير في منصته، مهما كانت جودتها.
عمق المشكلة. المشاريع التي تبدأ بسؤال «ما الذي يستطيع النموذج فعله؟» تخاطر بأن تكون حلًّا يبحث عن مشكلة. أما التي تبدأ بسؤال «أي ألم حقيقي يستحق الحل؟» فأقرب إلى أن يدفع العميل ثمنها.
التوقيت. فكرة صائبة قبل أن ينضج السوق أو تنخفض الكلفة قد تموت كالفكرة الخاطئة، وقد يحصدها من يأتي بعدها. وهذا يُدرَك بالتجربة وليس بالحساب.
والسياق العربي؟
قد يكون في اللغة العربية ولهجاتها، وفي قطاعات محلية لم تُخدم بعد، فرصة حقيقية لمن يعرف الميدان من داخله، فالوافد يصعب عليه فهم تفاصيلها. لكنها فرضية لا ضمانة، وقد تناولنا واقع العربية في هذا الميدان في مقال «الذكاء الاصطناعي العربي».
أسئلة المؤسس قبل أن يصقل نموذجه
- ما الذي سيحميني حين يصبح ما أملكه متاحًا للجميع؟
- هل أصمّم المنتج ليتعلّم من كل استعمال؟
- كيف سيصل منتجي إلى العميل؟
- هل مشكلتي موجعة بما يكفي ليدفع صاحبها ثمن حلّها؟
- وإن أخفقت، فهل سجّلت ما تعلّمته وحلّلته؟
وأخيرًا فهذه معرفة لا توصية استثمار. ومن أراد توظيف ماله في شركة ناشئة فليستشر مختصًّا مرخَّصًا وليراعِ الضوابط الشرعية. والتوكّل على الله لا يُغني عن حساب الأسباب، فمن أخذ بها وأحسن الإنصات للسوق كان أقرب إلى التوفيق.
المراجع
- Gradient Flow, An In-Depth Look at the Stanford AI Index Report (2025)
- Stanford HAI, AI Index 2025: The State of AI in 10 Charts
- U.S. Bureau of Labor Statistics, Business Employment Dynamics: Survival of private sector establishments by opening year (Table 7)
- Fortune, Why startups fail, according to their founders (25 September 2014) — يعرض تحليل CB Insights لـ101 تجربة

