العمل والمهارات

عائد الذكاء الاصطناعي: كيف نقيسه دون أن نخدع أنفسنا؟

رقم العائد الذي يلمع في العرض قد لا يعني شيئًا. ما الذي يجعله صادقًا؟ مقارنة وتوقيت وتكلفة كاملة.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مكتب إبداعي فيه كاميرا وألوان وأقلام ومجسّم خشبي

كبسولة نانودقيقة واحدة

أخطر ما في عائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي رقمٌ متقن الحساب لا معنى له. فأثر التقنيات العامة يتأخر لأنها تستلزم إعادة بناء العمل حولها، ومتوسط الأثر يُخفي تباينًا: ففي دراسة على 5,179 موظف دعم رفعت الأداة الإنتاجية 14% عمومًا و34% للمبتدئين، وكان أثرها ضئيلًا عند ذوي الخبرة. وفي تجربة عشوائية على 16 مطوّرًا خبيرًا زاد الزمن 19% بينما توقعوا نقصه. وفي الدنمارك لم يظهر أثر معنوي في الأجور أو الساعات رغم توفير زمن بلغ 3%. فقِس بمجموعة ضابطة، وحدّد المؤشرات قبل البدء، واحسب التكلفة كاملة.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

يعلن مدير تنفيذي أمام مجلس الإدارة أنّ منصة الذكاء الاصطناعي حققت «عائدًا باهرًا». فهل تصدّق الرقم؟ الأجدى أن تسأل سؤالًا واحدًا: مقارنةً بماذا؟ فالرقم الذي لا نعرف كيف وُلد يُسكت الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح قبل أن يُكتب.

لماذا يتأخر الأثر؟

العائد في صيغته الكلاسيكية صافي المنفعة مقسومًا على التكلفة. وهذه المعادلة وُلدت في عالم تُشترى فيه آلة بثمن معلوم فتُنتج وحدات معدودة. أما الذكاء الاصطناعي فأقرب إلى تقنية عامة الغرض كالكهرباء. وقد بيّن الاقتصادي بول ديفيد (Paul David) في ورقة عام 1990 أنّ المصانع التي استبدلت بمحرك البخار المركزي مولّدًا كهربائيًّا واحدًا بقيت مكاسبها ضئيلة، ولم ترتفع الإنتاجية بحدّة حتى أُعيد تصميم المصنع بوضع محرك صغير عند كل آلة.

وجاء إريك برينيولفسون (Erik Brynjolfsson) ودانيال روك (Daniel Rock) وتشاد سايفرسون (Chad Syverson) بنموذج «منحنى J للإنتاجية»: تتطلب التقنيات العامة استثمارات مكمّلة غير ملموسة في العمليات والمهارات، يصعب قياسها، فتُقدَّر الإنتاجية أقل من حقيقتها في السنوات الأولى، ثم أكثر منها حين تثمر تلك الاستثمارات. وعليه فمن يقيس بعد ثلاثة أشهر من التبنّي يقيس غالبًا كلفة التعلّم لا قيمة الإنتاج.

المتوسط يُخفي التباين

درس برينيولفسون وداني لي (Danielle Li) ولينزي ريموند (Lindsey Raymond) إدخال مساعد توليدي في دعم العملاء على بيانات 5,179 موظفًا. فارتفع عدد المسائل المحلولة في الساعة 14% في المتوسط، و34% عند المبتدئين وقليلي الخبرة، وكان الأثر ضئيلًا عند الخبراء. فمن حسب المتوسط وحده أخفى أنّ الأداة تفيد فئة وتكاد لا تفيد أخرى.

وفي تجربة عشوائية لمنظمة «ميتر» (METR) عام 2025 شارك 16 مطوّرًا خبيرًا في برمجيات مفتوحة المصدر، عمل كل منهم على نحو 15 مهمة من مستودعاته، وقُسّمت المهام عشوائيًّا بين السماح بالذكاء الاصطناعي ومنعه. فزاد زمن الإنجاز 19% عند السماح، وهو عكس ما توقعوه قبل التجربة (نقصًا بنسبة 24%)، وقدّروا بعدها أنهم وفّروا 20%. والعيّنة صغيرة وأدوات أوائل 2025 قد تغيّرت، فنقرؤها تحذيرًا من الاعتماد على الانطباع الذاتي لا حكمًا عامًّا على الأداة.

وفي تجربة هارفارد مع مجموعة بوسطن الاستشارية (758 موظفًا) كان مستخدمو الأداة أقل احتمالًا بـ19 نقطة مئوية لإنتاج حل صحيح في المهمة الخارجة عن قدرة النموذج، وأسرع وأجود داخل حدودها. فالسؤال عن نطاق المهمة جزء من الحساب.

ساعة موفّرة ليست ريالًا

يظن كثيرون أنّ ساعة التوفير ربح. غير أنّ دراسة هوملوم (Humlum) وفستيرغورد (Vestergaard) على 11 مهنة معرّضة للتأثر (25,000 عامل في نحو 7,000 مكان عمل بالدنمارك) وجدت متوسط توفير زمن بنحو 3%، دون أثر معنوي في الأجور أو الساعات المسجّلة في أي مهنة. أي أنّ الزمن الموفّر لا يصير مالًا ما لم يتحوّل إلى ناتج إضافي يُباع أو تكلفة فعلية تُحذف.

التكلفة الكاملة

يُحسب غالبًا ثمن الاشتراك، ويُنسى ما تحته: تنظيف البيانات وحوكمتها، والحوسبة وفواتيرها المتغيّرة، وتدريب الموظفين، والمخاطر القانونية والأمنية، وصيانة ما بُني على عجل. ولم نقف على رقم موثّق عام لنسبة هذه التكاليف، فلا نذكر نسبة، ونكتفي بالمبدأ: الحساب الذي لا يشمل التكلفة الكاملة لدورة الحياة مضلِّل بطبيعته.

خمس قواعد للقياس الصادق

  1. قارن: فريق يستعمل الأداة وآخر مماثل لا يستعملها، في الظرف نفسه. فارتفاع المبيعات بعد النشر قد يكون سببه موسمًا أو حملة.
  2. حدّد المؤشرات قبل البدء: من يختار من المقاييس بعد ظهور النتائج ما يجمّلها ينتقي الأدلة ولا يقيس الأثر.
  3. اجمع المؤشرات المبكرة إلى المتأخرة: كجودة المخرجات وزمن الإنجاز ورضا العميل، قبل أن تظهر الميزانية.
  4. احسب التكلفة كاملة على دورة الحياة، الظاهر منها والخفي.
  5. اربط كل مشروع بهدف واضح قبل إطلاقه، وتوقّف مبكرًا عمّا لا يحقق هدفه ولا تخجل من الاعتراف.

وفي مؤسساتنا قد تدفعنا «خشية التخلف عن الركب» إلى الإنفاق قبل القياس. والأولى أن نتعلّم كيف نقيس بصدق، فذلك أصلٌ أنفع من أي نموذج نشتريه. وهذا عرض لأطر الفهم، وليس توصية بالإنفاق أو الامتناع، ومن احتاج إلى قرار مالي فليستشر مختصًّا مرخَّصًا.

المراجع

  1. P. David, The Dynamo and the Computer: An Historical Perspective on the Modern Productivity Paradox, American Economic Review 80(2) (1990) — ملخص AcaWiki
  2. E. Brynjolfsson, D. Rock, C. Syverson, The Productivity J-Curve: How Intangibles Complement General Purpose Technologies, NBER Working Paper 25148 (2018)
  3. E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
  4. J. Becker, N. Rush, E. Barnes, D. Rein (METR), Measuring the Impact of Early-2025 AI on Experienced Open-Source Developer Productivity, arXiv:2507.09089 (July 2025)
  5. A. Humlum, E. Vestergaard, Large Language Models, Small Labor Market Effects, University of Chicago BFI Working Paper 2025-56
  6. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)