هل هذا ذكاءٌ اصطناعي حقًّا؟ ثلاثة أسئلة لفحص الادّعاء
كلمة «ذكاء اصطناعي» تُلصق اليوم على كل منتج. فكيف نفرّق بين نظامٍ يستحق الاسم وإعلانٍ يستعير بريقه؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
ليس للذكاء الاصطناعي تعريفٌ واحد متفق عليه، لكنّ للمنظِّمين تعريفاتٍ عملية تصلح معيارًا: فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ولائحة الاتحاد الأوروبي تصفان نظامًا يستنتج من مدخلاته كيف يولّد مخرجاتٍ كالتنبؤات والتوصيات والقرارات. وحين يتجاوز الإعلان هذا الحدّ نقع في «غسل الذكاء الاصطناعي»: فقد فرضت هيئة الأوراق المالية الأمريكية عام 2024 غرامات على شركتين بسبب بياناتٍ مضلِّلة عن استخدامه، واتُّهم مؤسس تطبيقٍ بأن «أتمتته» كانت عمالًا بشرًا. فاسأل: ما المدخل والمخرج؟ وهل يستنتج النظام أم ينفّذ؟ ومن يعمل خلف الشاشة؟
المقال مطولًا طيّ المقال
في 18 مارس 2024 أعلنت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تسويةً مع شركتين للاستشارات الاستثمارية بسبب بياناتٍ كاذبة أو مضلِّلة عن استخدامهما الذكاء الاصطناعي، وبلغت الغرامات 400 ألف دولار مجتمعةً. لم تُتَّهم الشركتان بأنّ ذكاءهما ضعيف، بل بأنه لم يكن كما قالتا. فالسؤال العملي يسبق الفلسفي: متى يحقّ لمنتجٍ أن يحمل هذا الاسم؟
لماذا يصعب الاتفاق على الاسم؟
عالجنا في مقال «ما هو الذكاء الاصطناعي حقًّا؟ شرحٌ مبسّط بلا مبالغة» حدود المفهوم وما يُظنّ فيه. أما هنا فنسأل سؤال المشتري والمنظِّم: ما الحدّ الأدنى الذي يجعل نظامًا «ذكاءً اصطناعيًّا» في العرف القانوني؟
يجيب عن ذلك تعريفان متقاربان. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في صيغتها المراجَعة عام 2023، تصف النظام بأنه نظامٌ قائم على الآلة يستنتج، لأهدافٍ صريحة أو ضمنية، من المدخلات التي يتلقّاها كيف يولّد مخرجاتٍ كالتنبؤات والمحتوى والتوصيات والقرارات، وهي مخرجاتٌ قد تؤثّر في بيئاتٍ مادية أو افتراضية. وتكاد المادة الثالثة من لائحة الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي تكرّر المعنى، وتضيف أنّ النظام يعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلالية وقد يتكيّف بعد نشره.
الكلمة المفتاحية في التعريفين هي «يستنتج». وفي قراءتنا العملية لهما، فالأتمتة وحدها ليست ذكاءً: جدولٌ يطبّق قاعدةً كتبها إنسان سطرًا بسطر يؤدي عملًا نافعًا، لكنه لا يستنتج شيئًا من تلقاء نفسه. وتبقى الحدود الدقيقة موضع نقاش بين المختصين، فلا نتهم بها كل برنامج.
ثلاثة أسئلة قبل أن تصدّق الوصف
ما المدخل وما المخرج؟ إن عجز البائع عن أن يقول بوضوح ماذا يتلقّى النظام وماذا يُنتج، فالوصف ما زال شعارًا.
هل يستنتج أم ينفّذ؟ اطلب بيان ما تعلّمه النظام من البيانات وما كُتب فيه يدويًّا. وقد يجتمع الأمران في منتجٍ واحد، ولا عيب في ذلك ما دام الإعلان صادقًا.
من يعمل خلف الشاشة؟ في أبريل 2025 اتّهمت وزارة العدل الأمريكية مؤسسَ تطبيقِ تسوّقٍ بأنه أوهم المستثمرين بأتمتةٍ لا تتدخّل فيها يد بشرية، بينما اعتمد التطبيق، بحسب ما نقلته التقارير عن لائحة الاتهام، على مئات المتعاقدين في مركز اتصال بالفلبين ينجزون الشراء يدويًّا. وهذه اتهاماتٌ لم يفصل فيها القضاء بعد. وليست الاستعانة بالبشر عيبًا في ذاتها؛ العيب إخفاؤها.
حين يصير الوصف مسألةً قانونية
في 25 سبتمبر 2024 أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية حملة «Operation AI Comply» بخمس قضايا تتصل بادّعاءاتٍ مبالغ فيها عن الذكاء الاصطناعي. من ذلك خدمة «DoNotPay» التي سوّقت نفسها بوصف «أول محامٍ آلي في العالم»، وقالت اللجنة إنها لم تختبرها أمام محامين بشر ولم توظّف محامين، فاتفقت الشركة على تسوية بقيمة 193 ألف دولار وعلى حظر الادّعاءات غير المسندة. وفي قضايا أخرى زُعم أنّ مشاريع بيع «متاجر تعمل بالذكاء الاصطناعي» وعدت بدخلٍ سلبي لم يتحقق. وكلها اتهاماتٌ أو تسويات مقترحة لا أحكام نهائية.
الدرس ليس خاصًّا ببلدٍ بعينه: الجهات الرقابية تقيس الإعلان بالدليل لا بالتسمية. ويهمّ ذلك كل مؤسسةٍ تشتري خدمات «ذكية»، ومنها الجمعيات والمنظمات غير الربحية التي تتعاقد غالبًا بميزانياتٍ محدودة.
ما يُفعل قبل التعاقد
- اطلب تجربةً على بياناتك وحالاتك لا عرضًا مصوّرًا.
- اطلب مقياس الأداء وطريقة قياسه، وما يحدث حين يخطئ النظام.
- اشترط وصفًا مكتوبًا لما تفعله الأداة وما يفعله البشر في العقد.
- احذر النتيجة المثالية التي لا تُذكر معها حدود.
ولا يعني هذا سوء الظن بكل منتج؛ فالأصل حسن الظن مع التثبّت. والصدق في وصف السلعة من أصول المعاملة، ومن صدق في الوصف سهُل عليه أن يُجيب عن الأسئلة الثلاثة.
المراجع
- U.S. SEC, SEC Charges Two Investment Advisers with Making False and Misleading Statements About Their Use of Artificial Intelligence (18 March 2024)
- OECD.AI, Updates to the OECD's definition of an AI system explained (29 November 2023)
- Regulation (EU) 2024/1689 (AI Act), Article 3: Definitions
- U.S. FTC, FTC Announces Crackdown on Deceptive AI Claims and Schemes (25 September 2024)
- TechCrunch, Fintech founder charged with fraud after 'AI' shopping app found to be powered by humans in the Philippines (10 April 2025)


