القطاعات والتطبيقات

شوارع بلا إشارات: ما تَعِد به المدينة التوأم وما لا تَعِد به

هل يتضاعف استيعاب التقاطع دون إسفلتٍ جديد؟ وماذا لو عاد الزحام من بابٍ آخر؟ قراءة في وعد المركبات المتصلة بما تقوله الدراسات.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصوّر يمسك كاميرا ويتأمل في العدسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

اقترحت دراسة نُشرت عام 2016 أن تنسّق المركبات المتصلة مرورها في «فتحات زمنية» بدل الإشارات الضوئية، وأن ذلك قد يضاعف استيعاب التقاطع نظريًّا. لكنها نتائج نموذج رياضي لم تُختبر في شوارع حقيقية. وفي الرياض بدأت عام 2025 تجربة سيارات أجرة ذاتية القيادة بوجود سائق أمان. وتبقى ثلاثة تحفظات: رقم «94% من الحوادث بسبب الإنسان» يصف سببًا حرجًا لا مسؤولية، ودراسات الطرق تُظهر أنّ سعةً أكبر تجذب رحلاتٍ أكثر، وجمع بيانات الحركة يستلزم حوكمةً صارمة. فالسؤال ليس هل نستطيع، بل بأي ضوابط.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

ما الذي يحدث لو ألغينا الإشارة الضوئية لا لأنها فشلت، بل لأنّ المركبات صارت تتفاهم فيما بينها؟ في مارس 2016 نشر فريق بحثي يضمّ باحثين من معهد ماساتشوستس للتقنية دراسةً في مجلة «PLOS ONE» تقول إنّ التقاطع القائم على «الفتحات الزمنية» قد يضاعف الاستيعاب ويقلّل التأخير. الفكرة جذابة، لكن لنقرأ ما قالته الدراسة فعلًا.

كيف يعمل التقاطع بلا إشارة؟

بدل أن تنتظر المركبة لونًا أخضر مصمَّمًا على افتراض أسوأ الأحوال، تحجز «فتحةً» زمنية لعبورها عبر اتصالٍ بنظامٍ ينسّق المركبات القادمة من الجهات كلها. ويمكن لـ«توأمٍ رقمي» أن يدعم ذلك، وهو نسخةٌ افتراضية من المنظومة تتغذّى من حسّاسات الواقع ويُجرَّب عليها ما يُراد قبل تطبيقه.

وقد استنتج الباحثون أنّ هذا الأسلوب «قد يضاعف» السعة ويقلّل التأخير. غير أنّ النتيجة تحليلٌ رياضي لتقاطعٍ بين طريقين، يفترض وصولًا عشوائيًّا للمركبات ومسافات أمان محدّدة، ولم تؤيّدها تجربةٌ على تقاطعاتٍ حقيقية. ويصعب تعميمه حين تختلط مركباتٌ متصلة بأخرى يقودها بشر ومشاة.

أين وصلت التجربة في بلادنا؟

في أكتوبر 2025 أُعلن في الرياض عن تشغيل خدمة سيارات أجرة ذاتية القيادة عبر شراكة بين «WeRide» و«أوبر»، على مسارٍ بين «روشن فرونت» وجامعة الأميرة نورة، بتصريحٍ من الهيئة العامة للنقل ومعها سائق أمان في المرحلة الأولى، على أن تنتقل لاحقًا إلى القيادة دون سائق. هذه تجربةٌ منضبطة، لا مدينةً بلا إشارات، وبينهما مسافة يقطعها التنظيم والاختبار قبل التقنية.

الصفر في الحوادث: ماذا يقول الرقم حقًّا؟

كثيرًا ما يُستدلّ على القيادة الذاتية برقم «94% من الحوادث سببها الخطأ البشري». ومصدره تقرير لإدارة سلامة الطرق الأمريكية (2015) حدّد «سببًا حرجًا» مرتبطًا بالسائق في نحو 94% من قرابة 2.19 مليون حادث مقدَّر. لكنّ التقرير نفسه ينبّه إلى أنّ هذا التوصيف لا يُقصد به تحديد سبب الحادث ولا تحميل السائق المسؤولية. فالرقم مقدّمةٌ لا حجّة؛ والحكم على سلامة المركبات الذاتية يكون بسجلّات اختبارٍ مستقلة. وللتفصيل في هذا الرقم وفي سلامة المركبات الذاتية انظر مقال «السيارة ذاتية القيادة: ما الذي تَعِد به وما الذي لا تضمنه؟».

وإذا قرّرت الخوارزمية بدل الإنسان فمن يتحمّل التبعة حين تخطئ: الصانع أم المشغّل أم الجهة المنظِّمة؟ سؤالٌ تنظيمي مفتوح في أغلب الأنظمة، وحقّه أن يُجاب عنه قبل التعميم.

الزحام قد يعود من باب آخر

أظهرت دراسة لدورانتون وتيرنر (Duranton & Turner) عام 2011 على مدن أمريكية أنّ المسافات المقطوعة في الطرق السريعة بين المدن تتزايد بما يناسب ما يُضاف إليها من مسارات. ومن هنا استنتاجنا، لا نتيجة الدراسة: قد يجتذب انسياب الحركة رحلاتٍ إضافية فيعود الازدحام. لذلك يحسن النظر في أسباب الرحلات نفسها: مواقع السكن والعمل والخدمات، وبدائل النقل العام، لا في تسريع الحركة وحده.

الحوكمة قبل الحسّاس

توأمٌ رقمي لمدينة يعني بيانات حركةٍ كثيفة. وقد يكون جمعها أداة تيسير، وقد يتحوّل إلى مراقبة ما لم تُقيَّد بحدّ أدنى من الجمع وإخفاء الهوية ومدةٍ محدودة للاحتفاظ؛ وللتوسع في أطر حماية الخصوصية انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي». ومن الحكمة أن يبدأ التطبيق بممرّاتٍ محدّدة ومعايير مفتوحة بين الصانعين، ثم يُقاس الأثر قبل التوسّع.

والنجاح في هذا الباب يُقاس بما ينفع الناس فعلًا: وقتٌ أقصر وحوادث أقل وخصوصيةٌ محفوظة. وهو توفيقٌ نسأل الله أن يهيّئ أسبابه.

المراجع

  1. R. Tachet et al., Revisiting Street Intersections Using Slot-Based Systems, PLOS ONE 11(3): e0149607 (2016)
  2. NHTSA, Critical Reasons for Crashes Investigated in the National Motor Vehicle Crash Causation Survey, NHTSA DOT HS 812 115 (2015)
  3. G. Duranton and M. Turner, The Fundamental Law of Road Congestion: Evidence from US Cities, American Economic Review 101(6): 2616–2652 (2011)
  4. Automotive World, WeRide and Uber launch robotaxi operations in Riyadh (27 October 2025)