كيف تقرأ إحصاءات الذكاء الاصطناعي دون أن تنخدع؟
أرقام الانتشار تُبهر، وأرقام الأثر أهدأ بكثير. خمسة أسئلة تفرّق بين رقمٍ يخبرك وآخر يبيعك.

كبسولة نانودقيقة واحدة
حين تقرأ أن 78% من المؤسسات استخدمت الذكاء الاصطناعي عام 2024، فهذا يقيس الانتشار لا الأثر. ففي التقرير نفسه، أفاد معظم من وجدوا وفورات في التكاليف بأنها أقل من 10%، وأفاد معظم من وجدوا زيادةً في الإيرادات بأنها أقل من 5%. ومتوسط المكاسب قد يُخفي تفاوتًا كبيرًا: ففي تجربة ميدانية بلغ أثر المساعد 34% عند الأقل خبرة وكان ضئيلًا عند الأكثر خبرة. وأرقام الوظائف كثيرًا ما تقيس قابلية المهن للأتمتة لا الوظائف الزائلة فعلًا. فاسأل دائمًا: من قاس؟ وماذا قاس؟ وبأي مقارنة؟
المقال مطولًا طيّ المقال
«78% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي». هذا ما أورده «مؤشر الذكاء الاصطناعي» الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2025 عن عام 2024، مقابل 55% في العام السابق. رقمٌ صحيح ومثير، لكنه يجيب عن سؤالٍ واحد: كم مؤسسةً جرّبت؟ ولا يقول شيئًا عن: كم ربحت؟
أولًا: الانتشار غير الأثر
«تستخدم» كلمة واسعة؛ تتسع لتجربةٍ في قسمٍ واحد، ولمشروعٍ تجريبي لم يغادر المختبر، ولدمجٍ عميق في صلب العمل. والمؤشر نفسه يعطي صورة أهدأ للأثر: بين من استعملوا الذكاء الاصطناعي في عمليات الخدمة، أفاد 49% بوفورات في التكاليف، وقال معظمهم إنها أقل من 10%. وبين من استعملوه في التسويق والمبيعات، أفاد 71% بزيادة في الإيرادات، وأكثر المستويات شيوعًا أقل من 5%.
وفي مسح «ماكنزي» الأحدث (مايو ويونيو 2026، على 1,719 مشاركًا في 97 دولة) ذكر 37% أن للذكاء الاصطناعي بعض الأثر في أرباحهم قبل الفوائد والضرائب، وهو الرقم نفسه تقريبًا في العام السابق، بينما ارتفعت نسبة من يوسّعون استعماله في المؤسسة كلها من 38% إلى 44%. ويبدو أن التوسع أسرع من ظهور الأثر المقيس.
ثانيًا: المتوسط يُخفي التفاوت
حين يقال إن الأداة «ترفع الإنتاجية»، فاسأل: لمن؟ في دراسةٍ على 5,179 من موظفي دعم العملاء، ارتفعت الإنتاجية بنحو 14% في المتوسط، وبنحو 34% عند الأقل خبرة، بينما كان الأثر ضئيلًا عند الأكثر خبرة. فالمتوسط جمع فئتين مختلفتين.
وفي تجربة هارفارد ومجموعة بوسطن الاستشارية على 758 استشاريًّا، تحسّن الأداء داخل «الحافّة المتعرّجة» لقدرات النموذج، وكان المشاركون أقل احتمالًا بمقدار 19 نقطة مئوية لبلوغ الحل الصحيح في مهمة خارجها. والرقم الوسطي وحده لا يكشف هذا الانقسام.
ثالثًا: «قابل للأتمتة» ليس «سيُلغى»
تستند العناوين المخيفة عن الوظائف غالبًا إلى دراساتٍ تقيس قابلية المهن لا وقوع الفقد. فدراسة فراي وأوزبورن (2013) قدّرت احتمال حوسبة 702 مهنةً تفصيلية، وانتهت إلى أن نحو 47% من العمالة الأمريكية «معرّضة للخطر». فهي تقيس قابلية المهن للحوسبة، لا عدد الوظائف التي ستزول فعلًا.
أما المنتدى الاقتصادي العالمي، فيجمع في تقريره لعام 2025 عن الوظائف (The Future of Jobs Report) بين الجانبين: يتوقع أصحاب العمل بحلول 2030 استحداث 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليونًا، بصافي نمو 78 مليونًا. وهذه تقديرات مبنية على توقعات أصحاب العمل، وتحت الصافي فئاتٌ تُزاح وأخرى تُستحدث؛ فالصافي الموجب لا يعزّي من يتعطل.
رابعًا: من الذي يقدّر، ولماذا؟
توقعات حجم الأسواق تُبنى على فرضيات: سرعة التبنّي، ومتوسط الإنفاق، وتعريف السوق نفسه. وحين تغيّر فرضيةً واحدة يتغير الناتج كله. ولا يعني هذا أن كل التقارير منحازة، لكن من يبيع خدمةً قد يميل إلى تصوير الطلب عليها أكبر مما هو. فانظر إلى المنهج لا إلى العنوان.
خمسة أسئلة قبل أن تصدّق رقمًا
- من أصدره، وما مصلحته؟
- هل يقيس نيّةً أم فعلًا؟ قابليةً أم نتيجة؟
- ما المقارنة؟ هل هناك مجموعة ضابطة؟
- هل هو متوسط يخفي تفاوتًا؟
- هل يخصّ سياقنا؟ فكثير من الأرقام المتداولة قيس في أسواقٍ تخالف أسواقنا.
ومن ثمّ ينبغي أن نبني قدرتنا على القياس المحلي، فنعرف أثر الأداة في مؤسساتنا بتجارب صغيرة منضبطة قبل التوسع. والتثبّت قبل النقل أدبٌ شرعي قبل أن يكون منهجًا إحصائيًّا. فإذا قرأتَ رقمًا لامعًا، فاسأل أولًا: ماذا يقيس هذا الرقم بالضبط؟
المراجع
- Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025, Economy chapter
- McKinsey & Company, The state of AI (survey fielded May–June 2026; 1,719 participants in 97 countries)
- E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
- F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)
- C. B. Frey & M. Osborne, The Future of Employment: How susceptible are jobs to computerisation?, Oxford Martin School (2013)
- World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (digest)


