القطاعات والتطبيقات

الزراعة العمودية: تُوفّر الماء وتدفع الثمن كهرباء

مزرعة بلا شمس ولا تربة تَعِد بماءٍ أقل وغذاءٍ أقرب. فلماذا تعثّر روّادها؟ الجواب في فاتورة الكهرباء.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصوّر يمسك كاميرا ويتأمل في العدسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

تَعِد الزراعة العمودية بغذاء طازج داخل المدن بماءٍ قليل. وفي دراسة أمريكية قارنت خسّ البيوت المائية بالحقل ظهر إنتاج يفوق عشرة أضعاف وماء أقل بنحو 12 ضعفًا، لكن بطاقة أكثر بنحو 82 ضعفًا للكيلوغرام. وفي دراسة بريطانية عام 2025 بلغ أثر الخسّ العمودي في بعض السيناريوهات 4.71 كغ مكافئ ثاني أكسيد الكربون للكيلوغرام مقابل 0.59 في الحقول. وقد أغلقت شركات كبرى أو أفلست، وعزت إحداها ذلك إلى كلفة الطاقة. فالحصيلة أنها رافد متخصص للورقيات في المدن، ويشترط نجاحها طاقة نظيفة رخيصة وحساب كلفة دقيق.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

تخيّل رغيفًا أو حزمة ورقيات نمت على رفّ معدني في طابق لا تدخله شمس ولا مطر، وتدير إضاءتها وريّها برمجيات لا تنام. هذه هي الزراعة العمودية. والسؤال الجدير بالطرح ليس: هل تنجح تقنيًّا؟ فقد نجحت، بل: بأي كلفة، ولأي محاصيل، وفي أي أرض؟

طوّر الأستاذ ديكسون ديسبوميه (Dickson Despommier) في جامعة كولومبيا مع طلابه، طوال عقد قبل 2010، تصوّرًا لإدخال الزراعة في قلب المدن. وللفكرة دافع جادّ: ذكرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عام 2009 أنّ إطعام 9.1 مليار نسمة عام 2050 يتطلّب رفع الإنتاج الغذائي بنحو 70%، وأنّ إنتاج الدول النامية يكاد يتضاعف. وهذا تقدير مبني على افتراضات سكانية وغذائية، لا قدرٌ مكتوب، والعلم بما سيكون عند الله.

ما تربحه المزرعة المغلقة

قارنت دراسة بربوسا (Barbosa) وزملائه عام 2015 خسًّا نما في بيوت مائية مغلقة بخسٍّ حقلي في ولاية أريزونا. فكان الإنتاج نحو 41 كغ للمتر المربع في السنة مقابل 3.9 كغ، واستُهلك ما يقارب 20 لترًا من الماء للكيلوغرام مقابل 250 لترًا. وهذا ربح كبير في بلاد قليلة المياه. لكنّ الدراسة نفسها وجدت الطاقة المستهلكة للكيلوغرام أعلى بنحو 82 ضعفًا (نحو 90,000 كيلوجول للكيلوغرام مقابل 1,100). وهي تقارن بيتًا مائيًّا مضبوطًا بالحقل، ولا تقيس مزرعة عمودية متعددة الطوابق، فنقرؤها دليلًا على اتجاه الموازنة لا حكمًا نهائيًّا.

الكهرباء: الطرف الثاني من الميزان

الشمس التي تُرسلها السماء مجّانًا للحقل يجب توليد ما يعادلها في الداخل. ولذلك وجدت دراسة قادتها زوي هاريس (Zoe Harris) من جامعة ساري (University of Surrey)، نشرتها دورية Food and Energy Security عام 2025، أنّ الخسّ من مزرعة عمودية بريطانية بلغ في بعض السيناريوهات 4.71 كغ مكافئ ثاني أكسيد الكربون للكيلوغرام، مقابل 0.59 لأعلى الحقول أثرًا في العينة (ثلاثة حقول في بريطانيا وإسبانيا). وحين فُرضت كهرباء متجددة هبط الرقم إلى 0.93، وبقي أعلى من الحقول. وهذه دراسة واحدة، وللنتيجة حدود: فهي تقارن مزرعة بعينها في مناخ بعينه.

والذكاء الاصطناعي يساعد في ضبط الإضاءة والريّ وجدولة التشغيل، لكنه لا يغيّر قانونًا فيزيائيًّا: الضوء الصناعي يحتاج طاقة. فأقصى ما يفعله أن يقلّل الهدر.

ما قالته الشركات بإفلاسها

ويدل على ثقل الكلفة ما جرى لروّاد القطاع. فقد ذكر تحليل من كلية لندن الجامعية (UCL) في يناير 2025 أنّ شركة «بلينتي» (Plenty) أوقفت مزرعتها في كومبتون بولاية كاليفورنيا نهاية 2024 وعزت ذلك إلى ارتفاع كلفة الطاقة، وأنّ «بوري» (Bowery) أوقفت أعمالها أواخر العام نفسه، وأنّ «إيروفارمز» (AeroFarms) و«كاليرا» (Kalera) و«آب هارفست» (AppHarvest) أعلنت إفلاسها خلال سنتين. وأشار التحليل إلى أسباب عامة، منها كلفة الطاقة، ومنافسة الزراعة التقليدية الأرخص، وارتفاع كلفة التمويل. أما الفرق بين شركة وأخرى فلم يفصّله.

وفي الخليج؟

يستورد الخليج نحو 90% من غذائه تاريخيًّا بحسب مجلة «AGBI»، فمن الطبيعي أن تلفت الفكرة الانتباه. وذكرت المجلة أنّ مشروعًا في دبي بدعم من طيران الإمارات لخدمات الطعام (Emirates Flight Catering) وشركة «كروب وان» (Crop One) يستهدف إنتاج أكثر من مليون كغ سنويًّا من الورقيات، وأنّ شركتين أعلنتا مزرعة عمودية في الرياض بطاقة مخطّطة 2,000 كغ يوميًّا. ولم نقف على ما يؤكد التشغيل الفعلي ولا الكلفة الفعلية، فنكتفي بنقل الإعلان لا الإنجاز. ولعلّ مزية الخليج أن شمسه وفيرة، فتصلح الطاقة الشمسية لخفض عبء الكهرباء، وهذا استنتاج منطقي لا نتيجة قيست في المصادر التي رجعنا إليها.

كيف نقرأ الوعد؟

  • اسأل عن الكهرباء: كم كيلوواط ساعة للكيلوغرام؟ ومن أين تأتي؟
  • اسأل عن المحصول: الورقيات والأعشاب سريعة الدورة وأعلى سعرًا، أما القمح والأرز فلا يبرّران هذه الكلفة.
  • احذر الأرقام التسويقية، فقد يدّعي بعض الموردين توفير الماء بنسب عالية لا يؤيدها قياس مستقل.

فالزراعة العمودية فرصة حقيقية في موضعها، ورافدٌ يكمّل الحقل ولا يحلّ محلّه. ومن أخذ بالأسباب، فحسب الكلفة كلها قبل أن يُحسن الظنّ بالوعد، فقد حفظ ماله ونفع الناس.

المراجع

  1. FAO, How to Feed the World in 2050 (High-Level Expert Forum, 2009)
  2. Barbosa et al., Comparison of Land, Water, and Energy Requirements of Lettuce Grown Using Hydroponic vs. Conventional Agricultural Methods, Int. J. Environ. Res. Public Health 12(6): 6879–6891 (2015)
  3. Anthropocene Magazine, Are vertical farms really the answer? (September 2025) — يعرض دراسة Harris et al., Food and Energy Security (2025)
  4. UCL, Analysis: Five reasons why vertical farming is still the future, despite recent business failures (January 2025)
  5. AGBI, Gulf vertical farming push food security
  6. Phys.org, 'Vertical Farm' envisions tall future for farming (October 2010)