الميتافيرس والذكاء الاصطناعي: عالمٌ يتكيّف معك، فماذا يعرف عنك؟
خبت حماسة الميتافيرس، ثم عاد النقاش مع الذكاء الاصطناعي. ما الذي تغيّر فعلًا، وما الذي ينبغي أن نحذره؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
أعلنت ميتا عام 2021 تحوّلها نحو الميتافيرس، ثم سجّلت وحدة «ريالتي لابز» (Reality Labs) خسارة تشغيلية بنحو 19.2 مليار دولار عام 2025 مقابل إيرادات بنحو 2.2 مليار. أما تقدير ماكنزي (2022) بقيمة تصل إلى 5 تريليونات دولار بحلول 2030 يُقرأ تقديرًا لا حقيقة. ويمنح الذكاء الاصطناعي العوالم الافتراضية شخصياتٍ أكثر تجاوبًا، لكنه يرفع حساسية البيانات: فحركة الرأس واليدين وحدها كشفت هوية 94.33% من أكثر من 55 ألف مستخدم في تجربة بحثية. وللواقع الافتراضي نفعٌ علاجي في الرهاب بإشراف مختص. فنفعه رهنٌ بالشفافية وملكية بيانات الجسد والحوكمة.
المقال مطولًا طيّ المقال
في 28 أكتوبر 2021 غيّرت «فيسبوك» اسمها إلى «ميتا» وقالت إنّ تركيزها سيكون على «إحياء الميتافيرس». وبعد أربع سنوات أعلنت الشركة أنّ وحدة «ريالتي لابز» (Reality Labs)، المسؤولة عن أجهزة الواقع الافتراضي والمعزَّز، أنهت 2025 بإيرادات نحو 2.2 مليار دولار وخسارة تشغيلية نحو 19.2 مليار. فهل ماتت الفكرة؟
وعدٌ سبق الواقع
نشرت ماكنزي عام 2022 تقديرًا بأنّ الميتافيرس قد يولّد قيمة تصل إلى 5 تريليونات دولار بحلول 2030. وهذا تقديرٌ لشركة استشارية نُشر بعد أشهر من إعلان ميتا، لا حقيقة مقاسة. أما الوحدة المعنية فإيراداتها السنوية نحو 2.2 مليار دولار مقابل خسارة تشغيلية تفوق ذلك بنحو تسعة أضعاف. وهذه الأرقام لا تحكم على الفكرة كلها، فهي تخص وحدة واحدة في شركة واحدة، لكنها تدل على أنّ التمويل الضخم لا يصنع الطلب بذاته.
ماذا يضيف الذكاء الاصطناعي؟
كان نقص هذه العوالم أنها صامتة: شخصيات تكرر سيناريوهات مبرمجة سلفًا. وتُظهر ورقة «الوكلاء التوليديون» (Park وآخرون، 2023) اتجاهًا مختلفًا: وضع الباحثون 25 وكيلًا برمجيًّا في عالم تجريبي يشبه لعبة «ذا سيمز»، لكل وكيل ذاكرةٌ بلغة طبيعية يلخّصها ويسترجعها ليخطط. فحين أُعطي هدفٌ واحد هو تنظيم حفل، نشر الوكلاء الدعوات وتعارفوا وحضروا في الموعد. وبيّنت التجارب أنّ الملاحظة والتخطيط والتأمل تسهم كلٌّ منها في إقناع السلوك.
لكنّ هذا عالم محاكاة تجريبي لا واقعٌ افتراضي غامر، وما يظهر فيه سلوكٌ مقنع لا وعيٌ ولا فهمٌ بالمعنى الإنساني (انظر مقال «ما هو الذكاء الاصطناعي حقًّا؟ شرحٌ مبسّط بلا مبالغة»). ولذلك يهمّ أن يعرف المستخدم متى يخاطب خوارزمية.
ما الذي يعرفه العالم عنك؟
كلما تكيّف العالم معك زاد ما يقرؤه منك. وفي دراسة بحثية (Nair وآخرون، 2023) حُددت هوية مستخدمين حقيقيين، عددهم 55,541، عبر جلسات متعددة، اعتمادًا على حركة رؤوسهم وأيديهم وحدها: بلغت الدقة 94.33% من 100 ثانية من الحركة، و73.20% من 10 ثوانٍ. أي أنّ جسدك يوقّع على حركتك، حتى بلا اسم ولا وجه. والجسد بياناتٌ حسّاسة ينبغي ألا تُجمع ولا تُحلَّل بلا إذنٍ صريح ومبرِّر (انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي»).
نفعٌ حقيقي في مجالٍ محدّد
للواقع الافتراضي استعمالٌ مثبت نسبيًّا في العلاج النفسي بالتعرّض. وتخلص مراجعة بحثية (Tsamitros، 2023) إلى أنّ العلاج بالتعرّض الافتراضي يبدو بفعالية العلاج التقليدي في الرهاب المحدد ورهاب الأماكن المفتوحة مع نوبات الهلع، ويماثل علاجًا نفسيًّا فعّالًا في اضطراب ما بعد الصدمة، مع الحاجة إلى مزيد من البحث. وهذا يجري بإشراف مختص، لا عبر لعبة بلا ضوابط. ويُحسن بالمؤسسات التي تفكر في العوالم الغامرة أن تبدأ بمشكلة محددة، كتدريب مهارة أو علاج رهاب، وتقيس أثرها، بدل أن تبدأ بإنشاء «عالم» ثم تبحث له عن مستخدمين. والتجربة الصغيرة المقيسة أصدق من الوعد الكبير.
ما الذي نطلبه؟
- الشفافية: أن يعلم المستخدم متى يخاطب خوارزمية لا إنسانًا، وما الذي يُجمع عنه.
- ملكية بيانات الجسد: ألا تُباع حركة الجسد ولا تُستعمل لغير ما أُذن به.
- حماية الفئات الأضعف وفي مقدمتها الصغار، وإتاحة الانسحاب الميسّر.
- حوكمةٌ يُحاسَب فيها من يصمّم العالم ويشغّله.
والمعيار الذي نزن به هذه التقنية هو ما تضيفه من نفع للناس وما تحفظه من كرامتهم وأمانتهم، لا ما تعرضه من إبهار. فالعالم الذي يُحسن معرفتك ينبغي أن يُحسن صيانة ما عرفه.
المراجع
- Meta, Introducing Meta: A Social Technology Company (28 October 2021)
- Meta, Reports Fourth Quarter and Full Year 2025 Results (Reality Labs segment)
- McKinsey & Company, Value creation in the metaverse (14 June 2022)
- J. S. Park et al., Generative Agents: Interactive Simulacra of Human Behavior, arXiv:2304.03442 (2023)
- V. Nair et al., Unique Identification of 50,000+ Virtual Reality Users from Head & Hand Motion Data, arXiv:2302.08927 (2023)
- N. Tsamitros, Current evidence on virtual reality-based interventions for the treatment of mental disorders, European Psychiatry 66 (Special Issue S1), abstract (2023)

