حين جاء الصرّاف الآلي: ماذا حدث لموظفي المصارف حقًّا؟
زادت الفروع بعد الصرّاف الآلي وتغيّر عمل الموظف، ثم عاد العدد يتراجع. والقصة الكاملة أصدق من الروايتين المتداولتين: «الآلة تسرق الوظائف» و«لا خوف أبدًا».

كبسولة نانودقيقة واحدة
يُروى أن الصرّاف الآلي لم يُنهِ وظيفة موظف المصرف، والرواية الأدق أطول. ففي السوق الحضرية الأمريكية المتوسطة نزل عدد الموظفين في الفرع من 20 إلى 13 بين 1988 و2004، لكنّ الفروع زادت 43%، لأن الجهاز خفّض كلفة تشغيل الفرع، وانتقل الموظف من عدّ النقد إلى خدمة العميل. ثم عاد العدد يتراجع: يقدّر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي الصرّافين بنحو 339 ألفًا عام 2025 ويتوقع انخفاضهم 13% بحلول 2035 مع الخدمة عبر الإنترنت وتراجع الفروع. فأتمتة المهمة تغيّر العمل أولًا، وأثرها في الوظيفة يتوقف على الطلب ونوع التقنية والزمن.
المقال مطولًا طيّ المقال
في السوق المصرفية الحضرية الأمريكية المتوسطة، نزل عدد الصرّافين في الفرع الواحد من 20 إلى 13 بين عامي 1988 و2004. يبدو هذا حكمًا على المهنة، فقد انتشرت أجهزة الصرف الآلي في تلك السنوات حتى صار في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 400 ألف جهاز، بحسب مقال الاقتصادي جيمس بيسن (James Bessen) في مجلة «التمويل والتنمية» التابعة لصندوق النقد الدولي عام 2015. غير أنّ بيسن يذكر الشطر الآخر من الحساب: ارتفع عدد الفروع الحضرية 43% في الفترة نفسها.
لماذا زادت الفروع؟
يفسّر بيسن ذلك بأنّ الجهاز خفّض كلفة تشغيل الفرع، فصار فتح فرع جديد أرخص، وتنافست المصارف على الحصة السوقية بمزيد من الفروع. نقص الموظفون في كل فرع وزاد عدد الفروع، فلم تتراجع الوظائف بقدر ما توحي به الأرقام الأولى. وتغيّر العمل نفسه: قلّ عدّ النقد وكثر التعامل مع العميل، ولا سيما أصحاب الأعمال الصغيرة، إذ تُباع لهم خدمات أعلى ربحًا. أُتمتت إذن مهمة واحدة هي صرف النقد، وانفتح إلى جانبها عمل لا يؤديه الجهاز.
ثم تراجع العدد
لم تنتهِ الحكاية هنا. يقدّر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي (BLS) أن عدد الصرّافين بلغ نحو 339,200 عام 2025، ويتوقع أن ينخفض إلى نحو 294,500 عام 2035، أي بنسبة 13%. ويعلّل المكتب ذلك بتزايد الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، كإيداع الشيكات بالهاتف، وبتقلّص عدد الفروع، وبأكشاك الفيديو التي تخدم عددًا أكبر من العملاء بموظفين أقل، وبأجهزة صرّاف محسّنة يُتوقع أن تتولى إصدار البطاقات وكشف العملة المزيّفة. فالتقنية التي لم تُنقص الوظائف في مرحلتها الأولى أعقبها جيلٌ آخر بأثر مختلف. كان التوازن مرحلةً لا قانونًا.
ما الذي يحسم الاتجاه؟
هذا استخلاصٌ تحريري من القصتين لا نتيجةٌ منصوصٌ عليها فيهما. يبدو أن ثلاثة أسئلة تفسّر الفرق. الأول: هل يزيد الطلب حين تنخفض كلفة الخدمة؟ في المرحلة الأولى اتسعت شبكة الفروع لأن تشغيلها رخص. والثاني: هل بقي في العمل ما يحتاج الناس فيه إلى إنسان؟ بقيت العلاقة مع العميل والإقناع والمسؤولية عن حاله. والثالث: أيّ جيلٍ من التقنية هذا؟ فما سلم منه الموظف أمام الجهاز الأول لم يسلم منه أمام الخدمة عبر الشاشة.
والذكاء الاصطناعي؟
تضع دراسة لمنظمة العمل الدولية (مايو 2025) نحو عامل من كل أربعة في العالم في مهنة معرّضة بدرجةٍ ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقع 3.3% من العمالة في أعلى فئات التعرّض، وتتصدر المهن الكتابية القائمة، وهي أقرب الأعمال إلى معالجة المعاملات والمعلومات. وترجّح الدراسة أن يكون الأثر الغالب تحويل الوظائف لا إلغاءها، لأنّ أكثر المهن تتضمن مهامّ تحتاج إلى مدخل بشري. وتتفاوت النسب بين الدول: تبلغ نسبة التعرّض 34% من العمالة في الدول مرتفعة الدخل مقابل 11% في منخفضة الدخل. والتعرّض قياسٌ للإمكان لا حكمٌ بفقدان الوظائف.
ما العمل؟
اسأل عن عملك ثلاثة أسئلة. أيّ مهامه روتينية تقبل أن تتولاها الأداة؟ وما الذي سينفتح إلى جانبها إن وُفّر الوقت، وهل أستطيع إتقانه؟ وماذا تخطط جهة عملي لمن تتغير مهامهم؟ وليس على العامل وحده أن يتحمل عبء الجواب، فإعلان خطة التأهيل قبل قرارات الاستغناء من أمانة الجهة المشغِّلة. وللتوسع في منطق المهام انظر مقال «الوظيفة حزمة مهام: أيّ المهن تتراجع وأيّها يتغيّر؟»، وفي المهارات مقال «المهارات التي تبقى ثمينة حين تتقن الآلة العمل». والرزق بيد الله، والسعي والتعلّم من الأخذ بالأسباب.
المراجع
- J. Bessen, Toil and Technology, Finance & Development, International Monetary Fund (March 2015)
- U.S. Bureau of Labor Statistics, Occupational Outlook Handbook: Tellers (بيانات 2025 وتوقعات 2025–2035)
- International Labour Organization, Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure, Working Paper 140 (20 May 2025)

