شهادات الذكاء الاصطناعي: ورقة تُعلَّق أم برهان يُعرَض؟
حين تكثر الأوراق تقلّ قدرة الورقة الواحدة على الإقناع. فما الذي تقوله الأدلة عن قيمة الشهادة، وكيف نحكم على برنامج قبل أن ندفع له وقتنا ومالنا؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
الشهادة إشارة: يدفع صاحبها كلفتها ليُقنع سوقًا لا ترى قدراته مباشرة، كما بيّن مايكل سبنس (Michael Spence) الفائز بجائزة نوبل عام 2001. وتنجح الإشارة ما دامت كلفتها أيسر على القادر من غيره. وقد تكاثرت الأوراق: أحصت مؤسسة Credential Engine في الولايات المتحدة وحدها نحو 1.85 مليون اعتماد فريد عام 2025، منها أكثر من مليون شارة رقمية. أما الأدلة التجريبية على قيمة الشهادات القصيرة بعينها فقليلة فيما وقفنا عليه. لذلك اسأل قبل أن تدفع: هل في البرنامج اختبار قد أرسب فيه؟ وهل أخرج منه بعمل أستطيع عرضه ويستطيع غيري مراجعته؟
المقال مطولًا طيّ المقال
أحصى مشروع Credential Engine في الولايات المتحدة وحدها 1,850,034 اعتمادًا فريدًا عام 2025، تقدّمه أكثر من 134 ألف جهة: نحو 1.02 مليون شارة رقمية، و486 ألف شهادة، و264 ألف درجة علمية. هذه أرقام مجمل الاعتمادات لا الذكاء الاصطناعي وحده، لكنها تكفي لتبيّن المشكلة: حين تكثر الأوراق تقلّ قدرة الورقة الواحدة على الإقناع.
الشهادة إشارة
سمّى الاقتصادي مايكل سبنس هذه الآلية «الإشارة» (signaling). يتحمّل المتقدّم كلفةً ظاهرة، كسنوات الدراسة أو الاختبار، ليُقنع صاحب عملٍ لا يرى قدراته مباشرة. وتنجح الإشارة بالشرط الذي تلخّصه صفحة جائزة نوبل: أن تتفاوت كلفتها بين المرسلين تفاوتًا كافيًا، فيكون نيلها أيسر على الأقدر. فإن نالها الجميع بالجهد نفسه لم تكشف شيئًا. وهذا ما يسوّغ الريبة في شهادةٍ تُمنح لكل من أكمل المشاهدة. وهو استنتاجٌ تحريري من النظرية لا قياسٌ لبرنامجٍ بعينه.
ماذا تقول الأدلة؟
أغلب الأدلة المتاحة عن الدرجات الجامعية لا عن شهادات الذكاء الاصطناعي القصيرة، فلنقرأها بحذر. في تجربة مراسلة بسيرٍ ذاتية مفتعلة (Deming وزملاؤه)، كان احتمال تلقّي ردٍّ من صاحب بكالوريوس أعمال من مؤسسة ربحية «إلكترونية» أقل بنسبة 22% من صاحب الدرجة نفسها من جامعة عامة غير انتقائية. وفي الاتجاه الآخر، تنقل صحيفة Hechinger عن دراسة «Dismissed by Degrees» التي قادتها كلية هارفارد للأعمال (2017) أنّ 61% من 600 مسؤول أعمال وموارد بشرية استُطلعوا قالوا إنهم استبعدوا سيرًا ذاتيةً لمتقدمين مؤهلين لخلوّها من شهادة جامعية. فالإشارة تُقرأ أحيانًا بأكثر مما تستحق، وأحيانًا يُحجب الكفء لغيابها.
أما الشهادة القصيرة نفسها فأقرب ما وقفنا عليه تجربة ميدانية مسجّلة في سجل التجارب الاقتصادية (AEA RCT Registry) لباحثين من جامعة ولاية جورجيا ومعهد جورجيا للتقنية، خُطّط فيها لنحو 4,000 طلب توظيف بسيرٍ مفتعلة يحمل بعضها شهادة تخصّص إلكترونية. وحتى آخر تحديث للسجل في مايو 2023 لم تظهر نتائج منشورة. لا ندّعي أنه لا توجد دراساتٌ أخرى، لكنّ ما فتحناه لا يتيح رقمًا موثوقًا لقيمة هذه الشهادات.
الإشارة التي يصعب تزييفها
إذا كانت قوة الإشارة في أن تعلو كلفتها على غير القادر، فأقواها ما تساوي كلفة تزييفه كلفة إتقانه: نموذج بنيتَه على بيانات حقيقية وقسته بمقياس معلن، أو حلٌّ يعالج مشكلةً محددة ويستطيع غيرك تشغيله ومراجعته. وهذا رأي تحريري يسنده منطق الإشارة، لا نتيجة تجربة. وليس معناه أنّ الشهادة بلا قيمة، فقد تنفع المبتدئ الذي لا سجلّ له. لكنّ جودتها تُفحص بأسئلة:
- هل في البرنامج اختبارٌ قد يرسب فيه المتعلّم؟
- هل ينتهي بمشروعٍ تراجعه جهةٌ غير المتعلّم؟
- هل يعلّم أساسًا يدوم، كالإحصاء وتقويم النماذج ومعالجة البيانات، أم واجهة أداةٍ ستتبدّل بعد أشهر؟
- من الجهة المانحة، وهل تربح من عدد المسجَّلين أم من نجاح الخريجين في أعمالهم؟
قبل أن تدفع وقتك ومالك
اجعل الشهادة محطةً لا غاية. اختر برنامجًا يُلزمك بعمل، واحتفظ بما أنتجتَه في مكانٍ يراه غيرك، واكتب في سيرتك ما تستطيع فعله لا اسم الدورة وحده. وانظر في سوقك أنت: ماذا يطلب أصحاب العمل في مجالك فعلًا؟ وللتوسع في بناء المحفظة انظر مقال «محفظة مشاريع الذكاء الاصطناعي: ما الذي يقنع صاحب العمل؟»، وفي ثبات التعلّم مقال «كيف تتعلّم الذكاء الاصطناعي؟ ما تقوله الأدلة عن طرق التعلّم الفعّالة». وطالب العلم يُحسن نيّته، فيطلبه للنفع والأمانة لا لتكثير الأوراق، والتوفيق من الله مع الأخذ بالأسباب.
المراجع
- The Nobel Prize, Economic Sciences 2001: Popular information (Akerlof, Spence, Stiglitz)
- Credential Engine, New Report Finds 1.85 Million Credentials and Opportunities (Counting Credentials 2025, 9 December 2025)
- D. Deming, N. Yuchtman, A. Abulafi, C. Goldin, L. Katz, The Value of Postsecondary Credentials in the Labor Market: An Experimental Study, NBER Working Paper 20528
- The Hechinger Report, What if we hired for skills, not degrees? (4 May 2019)، عن دراسة Dismissed by Degrees لكلية هارفارد للأعمال (2017)
- O. Churkina, O. Asensio, R. Rubenstein, Hiring Prospects of Online Education: Evidence from a Randomized Field Experiment, AEA RCT Registry AEARCTR-0003538

