الاقتصاد والأعمال

مليارات تُنفق وأرباح تتأخر: كيف نقرأ طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟

المال الذي يتدفق إلى الذكاء الاصطناعي يُحصى بمئات المليارات، أما الأرباح الموثّقة فأقل ظهورًا. بين الرقمين مسافة تفسّرها طبقات السلسلة وتحذيرات المنظِّمين.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

كوب أبيض فيه قهوة وحبوب بن على لوح خشبي

كبسولة نانودقيقة واحدة

قدّر مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2026 الاستثمار الخاص العالمي في هذا المجال بنحو 345 مليار دولار عام 2025. لكنّ الإنفاق شيء والربح شيء آخر: ففي مسح ماكنزي 2026 أسندت 37% من المؤسسات المجيبة أثرًا ما في أرباحها التشغيلية إلى الذكاء الاصطناعي. ورأت لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا (أكتوبر 2025) أن تقييمات الشركات التقنية المرتبطة به تبدو مرتفعة جدًّا وأن خطر التصحيح الحاد زاد. ويساعدك على القراءة تقسيم الحقل إلى حوسبة، ونماذج، وبيانات، وتطبيقات، وأسئلة تفحص بها كل ادّعاء. وهذا المقال معرفة لا توصية؛ ومن أراد الاستثمار فليستشر مختصًّا مرخَّصًا وليراعِ الضوابط الشرعية.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

بلغ الاستثمار الخاص العالمي في الذكاء الاصطناعي نحو 344.7 مليار دولار عام 2025، بزيادة 127.5% على العام السابق، بحسب مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2026. وبلغ الاستثمار المؤسسي الكلي، وهو يشمل الاندماج والاستحواذ والحصص الأقلية والطروحات العامة، نحو 581.7 مليار دولار. ويلفت المؤشر إلى أنّ أرقام القطاع الخاص قد تقلّل من إجمالي ما أنفقته بعض الدول، كالصين، لأن تمويل الجهات الحكومية لا يظهر فيها كله. لكنّ هذه الأرقام لا تقول أين ستجتمع الأرباح.

أربع طبقات، أربعة اقتصادات

يُقسَّم الحقل عادةً إلى أربع طبقات، وهذا تقسيمٌ تحريري للتبسيط. الأولى الحوسبة والطاقة، وهي كثيفة رأس المال: أنفقت غوغل أكثر من 150 مليار دولار على نفقات رأسمالية عام 2025 بحسب المؤشر، وترى وكالة الطاقة الدولية أنّ نحو 20% من مشاريع مراكز البيانات المخطط لها قد يتأخر ما لم تُعالَج مخاطر الشبكات (وأرقام الاستهلاك في مقال «سباق الذكاء الاصطناعي: من يملك الرقائق والطاقة والقواعد؟»). فعائد هذه الطبقة مرهونٌ بأن يلحق الطلب ببناء المنشآت. والثانية الشرائح وتركّزها، وقد فصّلنا قضيتها في مقال «الرقاقة والسيادة: من يملك مفاتيح الحوسبة؟».

والثالثة النماذج والتطبيقات، وهي تتقارب في القدرة وتنخفض كلفة استعمالها، فيضيق هامش من يعتمد على نموذج يملكه غيره؛ وانظر مقال «الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي: النموذج الأفضل لا يكفي». والرابعة البيانات والخبرة القطاعية، ولا تُقاس قيمتها بالحجم بل بالندرة وصلتها بقرار يُتخذ، كما في مقال «البيانات ليست «النفط الجديد»: أين يصدق التشبيه وأين يضلّل؟».

الفجوة بين الإنفاق والعائد

يذكر المؤشر، نقلًا عن مسح ماكنزي للعام السابق، أنّ 88% من المؤسسات المجيبة تستعمل الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، مقابل 78% قبلها بعام. أما مسح ماكنزي 2026، وقد أُجري بين 4 مايو و8 يونيو 2026 على 1,719 مشاركًا في 97 دولة، فوجد أنّ 37% يُسنِدون أثرًا ما في الأرباح التشغيلية إلى الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة لم تتغير تقريبًا عن العام السابق، وأنّ 44% يقولون إنه يتوسع في مؤسساتهم، ارتفاعًا من 38%. فالاستعمال واسع، والأثر الموثّق في الربح أضيق. وقد لا يعني هذا غياب العائد، فقياسه عسير، كما بيّنّا في مقال «عائد الذكاء الاصطناعي: كيف نقيسه دون أن نخدع أنفسنا؟».

ما يقوله المنظِّمون

في سجل اجتماع لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا (2 أكتوبر 2025) أنّ تقييمات الأسهم «تبدو مرتفعة جدًّا» (stretched)، ولا سيما للشركات التقنية المرتكزة على الذكاء الاصطناعي، وأنّ «خطر التصحيح الحاد قد زاد». وأشار السجل إلى أنّ عائد الأرباح المستنتج من مضاعف الربحية المعدَّل دوريًّا (CAPE) قريبٌ من أدنى مستوى منذ 25 عامًا، و«مماثل لذروة فقاعة الدوت كوم»، وإن بقي المضاعف المبني على الأرباح المتوقعة (25 مرة) دون مستوى تلك الفقاعة. وذكر أنّ حصة الشركات الخمس الأكبر في مؤشر «إس آند بي 500» الأعلى منذ 50 عامًا وتقارب 30%، وأنّ من المخاطر فتورَ تبنّي التقنية واشتدادَ المنافسة. غير أنّه تقدير مخاطر لا تنبؤ بالموعد، وعلم الغيب عند الله وحده.

خمسة أسئلة تفحص بها أي ادّعاء

هذه صياغة تحريرية للأسئلة، لا توصية:

  • إذا انخفض سعر التقنية إلى ما يقارب الصفر، من يحتفظ بالربح في السلسلة؟
  • هل يصمد هذا الأصل في دورة هبوط، أم يقوم على تدفق مالٍ سهل؟
  • ما الذي يصعب على المنافس نسخه: بيانات فريدة، أم تكامل عميق مع العمل، أم خوارزمية يمكن استنساخها؟
  • ما انكشافه على الجغرافيا السياسية والطاقة وسلاسل الإمداد؟
  • هل الرقم المعروض محقَّق أم متوقَّع، ومن قاسه ومتى؟

لا يوصي هذا المقال بشراء أصلٍ أو بيعه. ومن أراد توظيف ماله فليستشر مختصًّا مرخَّصًا، وليتحقق من سلامة نشاط الشركة وتمويلها من جهة الشرع، فليس كلُّ ما ينمو حلالًا. والرزق بيد الله، ومن الأخذ بالأسباب ألّا يُبنى القرار على عنوان.

المراجع

  1. Stanford HAI, The AI Index Report 2026, Chapter 4: Economy
  2. McKinsey & Company, The State of AI, 2026 edition (survey 4 May–8 June 2026; published 25 August 2026)
  3. Bank of England, Record of the Financial Policy Committee meeting on 2 October 2025
  4. International Energy Agency, Energy and AI: Executive summary (2025)