العمل والمهارات

المهارات التي تبقى ثمينة حين تتقن الآلة العمل

في تجربة على مستشارين، ساعد الذكاء الاصطناعي في مهمة وأضرّ في أخرى تشبهها. من يعرف أين يقف الحدّ بينهما؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

روبوت تتصل ذراعه بشاشة سحابية

كبسولة نانودقيقة واحدة

الميزة في سوق العمل تنتقل من «من يعرف» إلى «من يحسن الحكم على ما تنتجه الآلة». يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي (2025) أنّ نحو 39% من المهارات الحالية ستتحول أو تتقادم بحلول 2030، وأنّ التفكير التحليلي أكثر المهارات طلبًا عند أصحاب العمل. وفي تجربة على 758 مستشارًا أنجز مستخدمو الذكاء الاصطناعي مهامّ أكثر بنسبة 12.2% وأسرع بنسبة 25.1%، لكنّ احتمال حلّهم الصحيح انخفض بنحو 19 نقطة مئوية في مهمة خارج قدرات الأداة. فالمهارة الثمينة معرفة حدود الأداة، والتحقق من مخرجاتها، وصياغة المسألة قبل طلب الحل.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في تجربة ميدانية مع مجموعة بوسطن الاستشارية، كُلّف 758 مستشارًا بمهام عمل واقعية، وسُمح لبعضهم باستعمال الذكاء الاصطناعي. ثم أضاف الباحثون مهمة صُمّمت عمدًا لتقع خارج ما تحسنه الأداة. وكانت المفاجأة أنّ المستشارين الذين استعانوا بها كان احتمال خروجهم بحل صحيح أقل بنحو 19 نقطة مئوية ممن عملوا دونها (Dell'Acqua وآخرون، 2023). لم تتغير الأداة، بل تغيّر موضع المهمة من حدود قدرتها.

حدّ متعرّج

داخل الحدود أنجز مستخدمو الأداة 12.2% مهامّ أكثر من غيرهم، وأسرع بنسبة 25.1%، وبجودة أعلى. وسمّى الباحثون هذا «الحدّ التقني المتعرّج»: خطٌّ غير منتظم يفصل ما تحسنه الأداة عمّا لا تحسنه، وقد لا يتبيّنه المستخدم، فمهمتان متشابهتان في الظاهر قد تقعان على جانبيه. وسبب ذلك في الغالب أنّ النماذج اللغوية تُنتج الجواب المرجَّح لا المتحقَّق منه (انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟»). فليست المهارة الأولى إتقان أداةٍ بعينها، بل معرفة أين تُصيب وأين تخطئ.

ماذا يتغير في المطلوب؟

يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي، استنادًا إلى مسح أصحاب العمل، أنّ نحو 39% من المهارات الحالية ستتحول أو تتقادم بين 2025 و2030. ويأتي التفكير التحليلي أول المهارات الأساسية، إذ عدّه سبعة من كل عشرة أصحاب عمل ضروريًّا، ثم المرونة والقدرة على التكيّف، ثم القيادة والتأثير الاجتماعي. وأسرع المهارات نموًّا الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والشبكات والأمن السيبراني، والثقافة التقنية. وذكر 63% من أصحاب العمل أنّ فجوة المهارات عائقٌ رئيسي أمام تحوّل أعمالهم، وقدّر المنتدى أنّ 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى تدريب بحلول 2030.

وفي المنحى نفسه وجدت «بي دبليو سي» في مقياسها لعام 2026 أنّ المهارات المطلوبة في الوظائف الأعلى تعرّضًا للذكاء الاصطناعي تتغير بأكثر من ضعف سرعتها في الوظائف الأقل تعرّضًا. وهذا قياسٌ لما جرى لا تنبؤٌ بما سيجري. وفي المملكة أعلنت وزارة التعليم عام 2025 أنّ مبادرة «سماي»، التي أطلقتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي بمشاركة وزارتي التعليم والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، درّبت وأهّلت أكثر من مليون مواطن، 70% منهم على رأس العمل.

من ينتفع أكثر؟

درس برينولفسون وزميلاه بيانات 5,179 موظف دعم عملاء أُتيح لهم مساعد توليدي، فارتفعت إنتاجيتهم نحو 14% في المتوسط. وكان الأقل خبرة أكثر استفادة في السرعة والجودة، بينما حقق الأعلى خبرة مكاسب صغيرة، وانخفضت جودتهم قليلًا. وتشير الدراسة إلى أنّ الأداة تعين على التعلّم. لكنها دراسة على مهنة واحدة هي دعم العملاء، فلا تُعمَّم على كل عمل.

عادات لا وصفات

ما يلي استخلاصٌ تحريري من الدراسات لا نتيجةٌ منصوص عليها فيها:

  • جرّب الأداة على عملك قبل أن تثق بها، وسجّل أين أصابت وأين أخطأت.
  • تحقق من الأرقام والأسماء والمراجع قبل أن تعتمدها.
  • صُغ المسألة قبل أن تطلب الحل: ما المطلوب؟ ولمن؟ وبأي معيار نقبل الجواب؟
  • اجمع عمقًا في تخصص مع اتساع يتيح الحكم على ما تنتجه الأداة.
  • تعلّم باستمرار، فالمهارة التقنية قد تتقادم أسرع من حسن الحكم.

وتبقى المسؤولية عن القرار على من وقّع عليه، فلا يُعتذر بقول الآلة. والتوكل على الله لا ينفي الأخذ بالأسباب، ومنها أن نتعلم ما يلزمنا لنُحسن الأمانة في أعمالنا. وللتعليم دورٌ أصيل في هذا التحول، تناولناه في مقال «نهاية عصر التلقين؟».

المراجع

  1. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (digest)
  2. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier: Field Experimental Evidence of the Effects of AI on Knowledge Worker Productivity and Quality, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)
  3. E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, arXiv:2304.11771
  4. PwC, Global AI Jobs Barometer 2026
  5. وزارة التعليم السعودية، «احتفاء وطني: أكثر من مليون مواطن تمكّنوا في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرة سماي» (2025)