الإنسان والمعرفة

الشعر العربي والذكاء الاصطناعي: قارئٌ يخدعه الظاهر وآلةٌ تتعثر في الفهم

قصيدة آلية قد لا يميّزها القارئ من قصيدة شاعر، وهي مع ذلك لا تفهم ما تقول. ماذا تقول الدراسات، وكيف نصون الشعر؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رجل يحمل رمزًا لعقل رقمي وأمامه أشكال بشرية زرقاء

كبسولة نانودقيقة واحدة

قصيدة الآلة قد تخدع قارئها. ففي دراسة نُشرت في «Scientific Reports» (2024) بلغت دقة 1634 مشاركًا في التمييز بين قصائد إنجليزية بشرية وأخرى ولّدها ChatGPT-3.5 نحو 46.6%، أي دون الصدفة، وقيّم مشاركون آخرون القصائد الآلية أعلى جودة، ويرجّح الباحثون أنّ بساطتها أيسر على القارئ. أما العربية فاختبار «Fann or Flop» (EMNLP 2025)، وهو يغطي 12 عصرًا شعريًّا، وجد أنّ أكثر النماذج تتعثر في فهم الاستعارة والعروض والسياق الثقافي رغم تفوقها في اختبارات العربية المعتادة. فالمحاكاة الظاهرة ليست فهمًا، ويُصان الشعر بتوثيق نصوصه وتعليم قراءته والإفصاح عمّن كتب.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

طُلب من نموذج لغوي أن يكتب «قصيدة قصيرة على طريقة» شاعرٍ بعينه، من عشرة شعراء بينهم شكسبير وإميلي ديكنسون وت. س. إليوت. ثم عُرضت مخرجاته الخمسة الأولى لكل شاعر، دون انتقاء ولا تحرير، إلى جانب قصائد حقيقية لهم، على 1634 مشاركًا سُئلوا: أيّها كتبه إنسان؟ كانت نسبة الصواب نحو 46.6%، أي أقل مما يحققه من يخمّن عشوائيًّا (Porter وMachery، 2024).

لماذا أُعجبوا بها؟

في الدراسة نفسها قيّم مشاركون آخرون (696 مشاركًا) القصائد الآلية أعلى في الجودة العامة، وفي 13 من 14 مقياسًا نوعيًّا، وكان الإيقاع أكبر الفروق. أما «الأصالة» فلم يظهر فيها فرقٌ دالّ. ويفسّر الباحثون ذلك باحتمال أنّ القصيدة الآلية أبسط وأسهل تأويلًا، فيحبها القارئ ثم يظنّ حبَّه دليلًا على أنها بشرية، وقد يقرأ تعقيدَ القصيدة البشرية على أنه تشويش. وهذا تفسيرٌ مقترح لا حقيقة مثبتة. ولاحظت الدراسة أنّ إخبار المشاركين بأنّ القصيدة آلية خفّض تقييمها، سواء أكانت كذلك أم لا.

والتحفظ واجب: القصائد إنجليزية، والنموذج ChatGPT-3.5، وهو أقدم من نماذج اليوم. فالدراسة تدلّ على سهولة خداع الحكم السريع، لا على أنّ الآلة تضاهي الشاعر.

والعربية؟

وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي (القرن الثاني الهجري) نظامًا للأوزان وصف فيه خمسة عشر بحرًا مجموعةً في خمس دوائر، ونُسب إلى الأخفش إضافة بحرٍ سادس عشر هو المتدارك. وهذا الانضباط يغري بظنّ أنّ الحاسوب سيجيد الشعر العربي سريعًا. لكنّ اختبار «Fann or Flop» (EMNLP 2025) يقول غير ذلك في الفهم: وهو مجموعة اختبارٍ لقصائد من 12 عصرًا، من العمودي الكلاسيكي إلى الحر المعاصر، تقيس فهم المعنى وتفسير الاستعارة والوعي بالعروض والسياق الثقافي. ونتيجته أنّ أكثر النماذج تتعثر في فهم الشعر رغم قوتها في اختبارات العربية المعتادة.

وهذا لا يعني أنّ الآلة لن تتحسن؛ فالنتيجة صورةٌ لما بين أيدينا اليوم، والنماذج تتبدل بسرعة. لكنه يذكّرنا بأنّ إصابة الشكل أمرٌ، وإدراك ما وراءه أمرٌ آخر.

مقياسٌ يستحق المراجعة

تكشف التجربتان معًا أنّ سؤال «هل يشبه هذا الشعر؟» مقياسٌ ضعيف. فالقارئ العجِل يكتفي بالجرس والسلاسة، وقد يفضّل ما يسهل عليه على ما يُجهده ويُثريه. وإن صحّ تفسير الباحثين فإنّ ذائقة الجمهور قد تميل، حين تتكاثر النصوص الآلية، إلى البسيط المألوف، فيُهمَل الشعر الكثيف الذي يحتاج إلى تأمّل. وهذا استنتاجٌ نحذر به لا نتيجةٌ قيست.

والسؤال الأجدى: ماذا يقول النص عمّا لا نعرفه؟ وبأي تجربةٍ ولغةٍ قاله؟ وهل يصمد حين نعيد قراءته بعد حين؟ هذه أسئلة يملك الإنسان الإجابة عنها، وهي مما تتعثر فيه النماذج اليوم.

ما الذي نفعله؟

الشعر العربي سجلّ لغةٍ وذاكرة وذوق، وللآلة فيه نفعٌ إن وُضعت موضعها:

  • توثيق النصوص: مدوّناتٌ رقمية محقّقة تُضبط فيها الروايات والأوزان، فهي مرجع التعلّم والتحليل لا مرتع المحاكاة.
  • تعليم الذائقة: أن يتعلم الناشئة العروض وقراءة الصورة والمعجم الشعري، فيعرفوا ما تفرّقه أذنٌ متعلمة وتخطئه أذنٌ عجلى.
  • الإفصاح: أن يُذكر صراحةً متى استُعينت الآلة في نصّ، فالصدق في النسبة من الأمانة، ولا يجوز أن تُنسب قصيدةٌ إلى غير قائلها.
  • الاستعانة المنضبطة: استعمال الأداة في الفهرسة والمقابلة والاقتراح، مع بقاء حكم الأديب والمحقق نهائيًّا.

والخطر أقل ما يكون في أن تكتب الآلة بيتًا موزونًا. وأكبره أن نتعوّد قراءةً سريعة لا تسأل: من قال؟ وفيم قال؟ وما الذي أراد؟ فمن تعلّم هذه الأسئلة لم تخدعه قصيدةٌ آلية ولا منحولة.

المراجع

  1. B. Porter & E. Machery, AI-generated poetry is indistinguishable from human-written poetry and is rated more favorably, Scientific Reports 14, 26133 (14 November 2024)
  2. W. Al Ghallabi et al., Fann or Flop: A Multigenre, Multiera Benchmark for Arabic Poetry Understanding in LLMs, Proceedings of EMNLP 2025, pp. 20224–20244
  3. Wikipedia, Arabic prosody (on al-Khalil ibn Ahmad's system of fifteen meters and its five circles)
  4. Encyclopaedia Britannica, al-Khalil ibn Ahmad