الاستشراف والسيادة

الصناعة 5.0 والذكاء الاصطناعي: هل يكفي أن نضع الإنسان في المركز؟

عبارة جذابة يختلف عليها أصحابها أنفسهم. ما الذي تعنيه «الصناعة 5.0»، وما الأسئلة التي تستحق الاهتمام أكثر من الاسم؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

روبوت تتصل ذراعه بشاشة سحابية

كبسولة نانودقيقة واحدة

تَعِد عبارة «الصناعة 5.0» بصناعةٍ تضع الإنسان في المركز. فقد عرّفتها المفوضية الأوروبية في تقرير عام 2021 بثلاث ركائز هي محورية الإنسان والاستدامة والمرونة، وسبقتها اليابان بطرح «المجتمع 5.0» في خطتها العلمية عام 2016. لكنّ المصطلح موضع خلاف: فقد رأت مؤسسات ألمانية معنية بـ«الصناعة 4.0» عام 2024 أنه تسميةٌ بلا مضمون جديد. والأهم من الاسم أسئلته العملية: كيف نحمي العامل ونعيد تأهيله؟ ويقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن يُستحدث بحلول 2030 نحو 170 مليون وظيفة ويُزاح نحو 92 مليونًا.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

من رقمٍ إلى رقم

دأب الكتّاب على تسمية المراحل الصناعية بأرقام: بخارٌ ثم كهرباء ثم حوسبة، ثم «الصناعة 4.0» التي ربطت الآلات بالبيانات. ثم جاء الرقم الخامس. فما الذي يعنيه، ومن قال به؟

تعرّف المفوضية الأوروبية «الصناعة 5.0» بأنها رؤيةٌ تتجاوز الكفاءة والإنتاجية، وتقوم على ثلاث ركائز: محورية الإنسان بوضع رفاه العاملين ومهاراتهم في قلب أنظمة الإنتاج، والاستدامة باعتماد تقنيات تحترم حدود الكوكب، والمرونة أي قدرة الصناعة على تحمّل الاضطرابات والتكيّف معها. وتقول وثيقة المفوضية لعام 2021 إنها تنقل التركيز «من قيمة المساهم إلى قيمة أصحاب المصلحة»، وإنها تبني على الصناعة 4.0 لا تستبدلها.

وقبلها بخمس سنوات طرحت اليابان في خطتها الأساسية الخامسة للعلوم والتقنية عام 2016 فكرة «المجتمع 5.0»، وهو مجتمعٌ محوره الإنسان يتوافق فيه النمو الاقتصادي مع حلّ القضايا الاجتماعية، ويأتي بعد مجتمعات الصيد والزراعة والصناعة والمعلومات.

اسمٌ يختلف عليه أهله

ليس المصطلح محلّ إجماع. ففي 22 أبريل 2024 أصدرت الأكاديمية الوطنية الألمانية للعلوم والهندسة (acatech) ومجلس أبحاث «الصناعة 4.0» ومنصة «الصناعة 4.0» بيانًا ينتقد ما سمّوه الاستعمال غير المبرر وغير الضروري لعبارة «الصناعة 5.0»، لأنها «لا تحوي مضمونًا جديدًا». ويرون أنّ «الصناعة 4.0» جعلت نفع المجتمع هدفها الأهم منذ البداية، وأنّ ما يُناقش اليوم تحت عنوان الخامسة تغطيه المصطلحات القائمة. وقال أحد المشاركين في البيان إنّ النقاش «مضلّل ويهدد القبول الأساسي».

فنحن أمام رؤية سياسية أوروبية أكثر منها مرحلة تاريخية متفقًا عليها. ولا ضير في ذلك ما دمنا نعرف حدودها.

أين الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي هو الأداة الأبرز في هذه المناقشة، لكن المفوضية لا تقصر الرؤية عليه. ما يهمنا هو السؤال: هل تُستعمل الأداة لتوسيع قدرة الإنسان أم لتهميشه؟ والجواب يُقاس بسلوك المؤسسات لا بالشعارات. ومن أمثلة الأسئلة المقيسة:

  1. هل يشارك العاملون في تصميم الأدوات التي ستغيّر عملهم؟
  2. هل يقترن إدخال الأداة بتدريب فعلي، وبوقتٍ لتعلّمها؟
  3. هل تُدار الأخطاء بمساءلة بشرية واضحة؟

الأرقام التي تهمّ القارئ

يقدّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن الوظائف لعام 2025 (The Future of Jobs Report)، وقد اعتمد على استبانة أكثر من ألف صاحب عمل يمثلون أكثر من 14 مليون عامل في 55 اقتصادًا، أنّ نحو 170 مليون وظيفة جديدة ستُستحدث بحلول 2030، وأنّ نحو 92 مليون وظيفة ستُزاح، بصافي زيادة قدره 78 مليون وظيفة. ويتوقع أنّ 39% من المهارات الحالية ستتحول أو تتقادم بين 2025 و2030. وهذه تقديرات أصحاب عمل لا حقائق، وهي تتفاوت بين الاقتصادات والقطاعات، ولا تقول لنا شيئًا عن حال فردٍ بعينه.

والمعنى العملي أنّ الأداة لا تنتظر من يتأخر في تأهيل نفسه، وأنّ التأهيل الذي نبدؤه اليوم أرخص من إصلاح البطالة غدًا.

كيف نقرأ الوعود البراقة؟

كثيرًا ما تُقدَّم في كتب الاستشراف مشاهدُ مصقولة ليومٍ في حياة إنسانٍ عام 2031، بمنازل ذكية ومركبات بلا سائق. وتلك صور خيالية لا مقاييس. والمقياس الأقرب إلى الصدق أن نسأل عن العامل والأسرة والمنشأة اليوم: ما الذي يتحسن في حياتهم فعلًا؟ فليس كل ما يلمع في العرض التجريبي يصمد في الواقع.

وما يخبئه الغد بيد الله. وعلينا الأخذ بالأسباب: أن نجرّب ونقيس ونُدرّب، مع حفظ كرامة العامل وأمانة المهنة، والتوكل على الله فيما وراء ذلك.

المراجع

  1. M. Breque, L. De Nul, A. Petridis, Industry 5.0: Towards a sustainable, human-centric and resilient European industry, European Commission, Publications Office of the EU (2021)
  2. European Commission, Industry 5.0 (Research and Innovation)
  3. Cabinet Office, Government of Japan, Society 5.0
  4. acatech, Research Council Industrie 4.0 and Plattform Industrie 4.0, The fourth industrial revolution and the term «Industry 5.0»: a critique (22 April 2024)
  5. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (Digest)