الاقتصاد والأعمال

حين انهار اللؤلؤ: درس الخليج لعصر الذكاء الاصطناعي

اعتمد اقتصادُ الخليج قرونًا على اللؤلؤ الطبيعي ثم انهار في ثلاثينيات القرن العشرين. ماذا يصحّ في تشبيهه بالذكاء الاصطناعي، وماذا لا يصحّ؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

حاسوب محمول وهاتف على سطح داكن

كبسولة نانودقيقة واحدة

ظلّ الغوص على اللؤلؤ التجارةَ الغالبة في اقتصاد الخليج حتى ثلاثينيات القرن العشرين، ثم انهار انهيارًا مفاجئًا بعد أن أنتجت اليابان اللؤلؤ المستزرع. ويغري هذا بتشبيه الذكاء الاصطناعي التوليدي بـ«اللؤلؤ الصناعي». والتشبيه نافع في شطر وناقص في شطر: فالمستزرَع حلّ محلّ المنتَج كله، أما الذكاء الاصطناعي فيغيّر مهامَّ داخل الوظيفة الواحدة. وتقدّر دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي أن يُستحدث بحلول 2030 نحو 170 مليون وظيفة ويُزاح 92 مليونًا. فالدرس الصادق هو التنويع، وتعلّم الأداة مبكرًا، وإعادة التأهيل، لا الخوف ولا التهوين.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

تصف اليونسكو في ملف «الغوص على اللؤلؤ» المسجَّل في قائمة التراث العالمي عام 2012 هذه الحرفة بأنها التجارة الغالبة في اقتصاد الخليج منذ القرن الثاني حتى ثلاثينيات القرن العشرين. ثم تذكر أنها زالت زوالًا مفاجئًا كارثيًّا في ثلاثينيات ذلك القرن، بعد أن طوّرت اليابان اللؤلؤ المستزرع. قرونٌ من العمل في البحر، ثم عقدٌ واحد يقلب الحساب.

كيف جاء المستزرَع؟

وفق «الموسوعة البريطانية»، نجح الياباني كوكيتشي ميكيموتو (Kokichi Mikimoto) في مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر في حمل المحار على تكوين لآلئ نصف كروية، وأتقن صهره توكيتشي نيشيكاوا (Tokichi Nishikawa) لاحقًا إنتاج اللؤلؤ الكروي الكامل. وتختلف المصادر في السنة بين 1892 و1893، ولا يغيّر ذلك من المعنى: منتَجٌ كان يُستخرج بالمخاطرة صار يُنتَج بالتقنية.

أما تفاصيل الأرباح وحصص الغواصين وأسماء التجار فتحتاج إلى وثائق لم نعتمد عليها هنا، فاقتصرنا على ما تثبته المصادر المذكورة.

أين يصحّ التشبيه؟

يصحّ في أمرين. الأول أن الاعتماد على مصدر رزق واحد يجعل الصدمة شاملة؛ فحين تكون حرفةٌ واحدة هي الغالبة في الاقتصاد، يتأثر بزوالها كل من يرتبط بها. والثاني أن التقنية قد تنتج بكلفةٍ أقل ما كان عزيزًا نادرًا، فتتغير قيمته في السوق.

وأين لا يصحّ؟

التشبيه يخفق في أمرٍ أساسي. اللؤلؤ المستزرَع منتجٌ بديلٌ عن منتجٍ. أما الوظيفة فحزمةٌ من المهام، والذكاء الاصطناعي يدخل بعضها لا كلها.

وتدلّ تجربة هارفارد ومجموعة بوسطن الاستشارية على 758 استشاريًّا على أن النموذج اللغوي يحسّن الأداء في مهامَّ تقع داخل قدراته، ويقلّل احتمال بلوغ الحل الصحيح في مهمةٍ تقع خارجها بمقدار 19 نقطة مئوية. فالأثر ليس إزاحةً شاملة ولا فائدةً شاملة، بل خريطةٌ متعرّجة تحتاج إلى عينٍ بشرية.

ماذا تقول الأرقام عن الوظائف؟

يقدّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 عن الوظائف (The Future of Jobs Report)، المبني على مسح لأكثر من ألف صاحب عمل في 55 اقتصادًا، أن يُستحدث بحلول 2030 ما يعادل 14% من الوظائف الحالية (170 مليونًا)، وأن يُزاح ما يعادل 8% (92 مليونًا)، بصافي نموٍّ قدره 78 مليون وظيفة. ويتوقع أصحاب العمل أن يتحول أو يتقادم 39% من المهارات الحالية في الفترة نفسها.

وهذه تقديرات لا وعود. لكن التاريخ يمنحها سندًا غير مباشر: فقد قدّر باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية وجهات أخرى أن نحو 60% من العمالة الأمريكية عام 2018 توجد في مسمياتٍ وظيفية لم تكن موجودة عام 1940، وأن ظهور المهام الجديدة ارتبط بالابتكارات المكمّلة للعمل أكثر من الابتكارات المحلّة محلّه.

ثلاثة دروس

  1. نوّع مهاراتك. لا تجعل رزقك معلّقًا بمهارة واحدة تُؤدّى بطريقة واحدة.
  2. تعلّم الأداة قبل أن تفرض نفسها. فالسابق يعرف حدودها، والمتأخر يتلقى نتائجها.
  3. أعد التأهيل بجدّ. يقول 85% من أصحاب العمل في مسح المنتدى إنهم يخططون لإعطاء الأولوية لرفع مهارات العاملين، ويعتزم 50% نقل موظفين من أدوار متراجعة إلى أدوار نامية.

والمجتمع الذي يتكافل أفراده، فيمدّون اليد إلى من فقد عمله بالتدريب والعون، أقدر على عبور التحول. وفي الشريعة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، والسعي في طلب الرزق.

وإذا كان اللؤلؤ المستزرع قد كشف هشاشة اقتصادٍ قام على مصدر واحد، فالسؤال الذي يطرحه علينا الذكاء الاصطناعي أوضح: كم من مصادرنا موزعٌ، وكم من مهاراتنا قابلٌ للتجدد؟

المراجع

  1. UNESCO World Heritage Centre, Pearling, Testimony of an Island Economy (Bahrain), inscribed 2012
  2. Encyclopaedia Britannica, Mikimoto Kokichi
  3. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (digest)
  4. D. Autor, A. Chin, A. Salomons, B. Seegmiller, New Frontiers: The Origins and Content of New Work, 1940–2018, NBER Working Paper 30389 (2022); Quarterly Journal of Economics 139(3), 2024
  5. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)