الإنسان والمعرفة

من لا يعرف الصقر يشويه: كيف تصير صقّارًا للذكاء الاصطناعي

مثلٌ شعبي عن الجهل بقيمة الصقر يصلح مدخلًا لفهم الذكاء الاصطناعي: ثلاث مهارات يتقنها الصقّار، ويحتاجها كل مستخدم للأداة.

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

كوب أبيض فيه قهوة وحبوب بن على لوح خشبي

كبسولة نانودقيقة واحدة

يقول مثلٌ شعبي: «اللي ما يعرف الصقر يشويه»، أي من جهل قيمة الشيء أتلفه وهو يظنّ أنه يُحسن. وهذا حال كثيرين مع الذكاء الاصطناعي: فريقٌ يهابه فيتركه، وفريقٌ يعتمد عليه دون فهم. والصقّار الماهر يتقن ثلاثًا: يعرف حدود طائره، ويدرّب يده بالممارسة، ويتعلّم مع جماعته. وتشير دراسات ميدانية إلى أن الأداة ترفع الأداء داخل حدود قدرتها، وتضعفه خارجها إذا وثقنا بها دون تحقق. فالإلمام بالذكاء الاصطناعي ليس برمجةً، بل حسن تقدير ما تُجيده الأداة وما لا تُجيده، مع تجربةٍ صغيرة ومراجعةٍ بشرية قبل كل قرار.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

في عام 2021 أُدرجت «الصقارة» في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بملفٍّ مشترك ضمّ 24 دولة، منها المملكة العربية السعودية. وتصف اليونسكو ممارسات الصقّارين: تربية الطير وتدريبه والعناية به وبأدواته، و«الروابط بين الصقّار والطير». فالصقر في هذا التراث شراكةٌ تُبنى بالمعرفة والصبر، لا طائرٌ جارح يُقتنى.

ويتداول الناس مثلًا يقول: «اللي ما يعرف الصقر يشويه». لم نقف على أصلٍ موثّق له، لكنّ معناه بيّن: من جهل قيمة الشيء أتلفه وهو يحسب أنه يُحسن. وهو وصفٌ دقيق لعلاقة كثيرين بالذكاء الاصطناعي؛ فمنهم من يهابه فيتركه، ومنهم من يستعمله بلا فهم فيفسد به عمله.

أولًا: اعرف حدود طائرك

الصقّار لا يُطلق صقره على كل صيد. وللأدوات الذكية حدودٌ كذلك، لكنها لا تُرى بالعين.

أجرى باحثون من جامعة هارفارد وجهات أخرى، بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية، تجربةً ميدانية على 758 استشاريًّا. حين استعان المشاركون بنموذج لغوي في مهامَّ تقع داخل قدراته، أنجزوا مهامَّ أكثر بنسبة 12.2%، وأسرع بنسبة 25.1%، وبجودة أعلى. أما في مهمةٍ إدارية معقّدة خارج تلك القدرات، فكانوا أقل احتمالًا بـ 19 نقطة مئوية لبلوغ الحل الصحيح من زملائهم الذين عملوا دون النموذج. وسمّى الباحثون هذه الحدود «الحافّة المتعرّجة» (jagged frontier).

والعبرة أن الخطر لا يكمن في الأداة ولا في تركها، بل في الثقة بجوابٍ أنيق الصياغة وهو خارج نطاق ما تُحسنه الأداة. وتبقى المسؤولية على من يستعمل الأداة؛ فجودة الصياغة لا تعفيه من التحقق. وتجد سبب تلك الأخطاء مفصّلًا في مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟»، وأشهر الأوهام حولها في «أساطير الذكاء الاصطناعي».

ثانيًا: درّب يدك قبل أن تُطلق

المهارة تُكتسب بالممارسة. وفي دراسةٍ لباحثين من جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية على 5,179 من موظفي دعم العملاء، رفع مساعدٌ توليدي الإنتاجية، مقيسةً بعدد المشكلات المحلولة في الساعة، بنحو 14% في المتوسط. وبلغ الأثر نحو 34% عند الأقل خبرةً، وكان ضئيلًا عند الأكثر خبرةً.

وهذا يعني أن الفائدة ليست متساوية، وأن أحدًا لا يعرف موضعها عنده قبل أن يجرّب. والتجربة النافعة صغيرة: مهمة واحدة، ومعيار نجاح واضح، ومراجعة بشرية للنتيجة. ومن الحكمة أن تدوّن ما نجح وما أخفق، فتصير تجربتك رصيدًا يُراجَع لا انطباعًا يُنسى.

ثالثًا: تعلَّم مع جماعتك

الصقّار يتعلم من صقّارين سبقوه، والمجتمعات تتعلم كذلك. وقد بدأت الدول تعامل الإلمام بالذكاء الاصطناعي واجبًا لا ترفًا. فالمادة 4 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، المطبّقة منذ 2 فبراير 2025، توجب على مزوّدي الأنظمة ومشغّليها اتخاذ إجراءات لدعم إلمام العاملين بها، دون أن تشترط مستوًى محدّدًا. وفي المملكة، نشرت وزارة التعليم عام 2025 أن مبادرة «سماي» التي أطلقتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» دربت أكثر من مليون مواطن.

ثلاثة تمارين لهذا الأسبوع

  1. اطلب من الأداة تلخيص نصٍّ تعرفه جيدًا، ثم قارن لترى أين أخطأت.
  2. اسألها عن موضوعٍ تعرف جوابه، لتلاحظ كيف تبدو الثقة حين تخطئ.
  3. اكتب لنفسك قائمة بما لا تُسلّمه لأي أداة: قرارٌ مالي، ومعلومةٌ طبية، وأمرٌ شرعي ترجع فيه إلى أهل العلم.

ومن توكّل على الله أخذ بالأسباب: القفّاز والتدريب والصبر. وهكذا نتعامل مع هذه الأداة: نُحسن التعلّم، ونُبقي المسؤولية بيد الإنسان.

المراجع

  1. UNESCO, Falconry, a living human heritage (Representative List of the Intangible Cultural Heritage of Humanity, inscribed 2021)
  2. F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier: Field Experimental Evidence of the Effects of AI on Knowledge Worker Productivity and Quality, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)
  3. E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
  4. European Union, Artificial Intelligence Act, Article 4: AI literacy (applies from 2 February 2025)
  5. وزارة التعليم السعودية، «احتفاء وطني: أكثر من مليون مواطن تمكّنوا في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرة سماي» (2025)