وظائف لم تُسمَّ بعد: ماذا يقول التاريخ عن عمل الغد؟
تحذّر العناوين من وظائف تختفي، وتغفل وظائف تولد. ما الذي تقوله الدراسات فعلًا، وأين تقع المشكلة الحقيقية؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
تحصي العناوين الوظائف المهدَّدة وتنسى ما يُولد. وتشير دراسة لباحثين من معهد ماساتشوستس للتقنية إلى أن نحو 60% من العمالة الأمريكية عام 2018 كانت في مسمّيات لم تكن موجودة عام 1940. ويقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي بناءً على مسح أصحاب العمل أن يُستحدث بحلول 2030 نحو 170 مليون وظيفة ويُزاح 92 مليونًا. لكن الصافي الموجب لا يطمئن من يفقد عمله اليوم؛ فالمشكلة الحقيقية في الفجوة الزمنية والمهارية بين من يُزاح ومن يُستقطب. والجواب العملي: تعلّم متجدد، ومسارات انتقال مدعومة، ومراجعة المهام لا العناوين.
المقال مطولًا طيّ المقال
نحو 60% من العمالة الأمريكية عام 2018 كانت في مسمّيات وظيفية لم تكن موجودة عام 1940. هذا ما قدّره ديفيد أوتور (David Autor) وزملاؤه في دراسةٍ نُشرت في «المجلة الفصلية للاقتصاد» عام 2024. ومسمّى مثل «مطوّر تطبيقات» مثالٌ قريب: لو سألتَ عاملًا قبل قرنٍ عنه لما فهم المقصود.
ما الذي تقوله الدراسات عن الخسارة؟
تذكر الصحافة غالبًا رقمًا واحدًا: دراسة كارل فراي (Carl Benedikt Frey) ومايكل أوزبورن (Michael Osborne) عام 2013، التي قدّرت أن نحو 47% من العمالة الأمريكية «معرّضة للخطر». والدقة هنا مهمة: الدراسة قدّرت احتمال أتمتة 702 مهنةً تفصيلية، أي قابلية المهن للحوسبة، لا عدد الوظائف التي ستزول فعلًا.
وفي المقابل يجمع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 عن الوظائف (The Future of Jobs Report)، وهو مسح لأكثر من ألف صاحب عمل في 55 اقتصادًا، بين الوجهين: يتوقع أصحاب العمل بحلول 2030 وظائفَ جديدة تعادل 14% من العمالة الحالية (170 مليونًا)، ووظائفَ مُزاحةً تعادل 8% (92 مليونًا)، بصافي نمو 78 مليون وظيفة. وهي تقديرات مبنية على توقعات المشاركين، لا وقائع مقبلة.
لماذا تتولّد وظائف؟
يرى أوتور في دراسته عام 2015 أن الأتمتة تحلّ محلّ العمل البشري في بعض المهام، لكنها تكمّله أيضًا وترفع الطلب عليه، وأن للعاملين ميزةً نسبية في حلّ المشكلات والتكيّف والإبداع. وتعضد دراسة عام 2022 هذا المعنى: فالمهام الجديدة نشأت حيث وُجدت ابتكاراتٌ تكمّل العمل البشري، لا حيث وُجدت ابتكاراتٌ تحلّ محلّه.
وقد رأينا مثالًا حديثًا في مراكز خدمة العملاء: في دراسة على 5,179 موظفًا، رفع مساعدٌ توليدي إنتاجية الموظفين بنحو 14%، وبنحو 34% عند الأقل خبرة. أي أن الأداة غيّرت طريقة إنجاز العمل، ولم تُلغِ حاجته إلى الموظف في هذه التجربة.
أين تُرجَّح الوظائف الصاعدة؟
نقدّم هنا تصنيفًا تحريريًّا للاستئناس لا إحصاءً: أربع بيئات يُرجَّح أن تنمو فيها الأدوار.
- تشغيل الذكاء الاصطناعي ومراجعته: ويدعمه أن «متخصصي الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي» و«متخصصي البيانات الضخمة» بين أسرع الوظائف نموًّا في تقرير المنتدى.
- الحوكمة والثقة: تدقيق الأنظمة وحماية الخصوصية وضبط الامتثال، وهذا استنتاجنا من اتساع استعمال الأنظمة لا رقمٌ منشور.
- الأعمال التي تقوم على الحضور الإنساني: كالرعاية والتعليم والإرشاد، وهي أقل عرضةً للاستبدال الكامل.
- الدمج القطاعي: كالصحة والزراعة والطاقة والتعليم، حيث يلتقي الاختصاص بالأداة.
وما عدا الأولى فمعقولٌ لكنه غير مقيس هنا، فلا نأخذه إلا بوصفه فرضية.
المشكلة الحقيقية: الفجوة
الصافي الموجب على مستوى العالم لا يعني شيئًا لمن فقد عمله هذا الشهر. ويرى 63% من أصحاب العمل في مسح المنتدى أن فجوة المهارات عائقٌ رئيس أمام التحول في مؤسساتهم، ويخطط 85% منهم لإعطاء الأولوية لرفع مهارات العاملين. فالمعركة تدور حول الزمن والمهارة: كم يستغرق الانتقال، ومن يموّل التأهيل.
وفي المملكة، أعلنت وزارة التعليم أن مبادرة «سماي» التي أطلقتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي دربت أكثر من مليون مواطن، وهي خطوة في هذا الاتجاه، وإن كان أثرها في سوق العمل يحتاج إلى قياسٍ مستقل.
ما الذي يُفعل؟
- راجع مهامّك لا مسمّاك الوظيفي. أيّ مهامك روتينية قابلة للمساعدة، وأيّها يحتاج حكمًا وثقة؟
- تعلّم بانتظام. يتوقع أصحاب العمل في مسح المنتدى أن تتحول أو تتقادم 39% من المهارات الحالية بحلول 2030.
- ابنِ جسورًا للانتقال. برامج تأهيل ممولة وموجهة لمن تتقادم مهنهم.
ولا يعبر المرء هذا التحول وحده؛ فبالتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب يتعلم ويعلّم ويشدّ من حوله. وسؤال الغد الأصدق: لا كم وظيفة سنفقد، بل كيف نُعدّ الناس لما يولد.
المراجع
- D. Autor, A. Chin, A. Salomons, B. Seegmiller, New Frontiers: The Origins and Content of New Work, 1940–2018, NBER Working Paper 30389 (2022); Quarterly Journal of Economics 139(3), 2024
- C. B. Frey & M. Osborne, The Future of Employment: How susceptible are jobs to computerisation?, Oxford Martin School (2013)
- World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (digest)
- D. Autor, Why Are There Still So Many Jobs? The History and Future of Workplace Automation, Journal of Economic Perspectives 29(3), 2015
- E. Brynjolfsson, D. Li, L. Raymond, Generative AI at Work, NBER Working Paper 31161 (2023)
- وزارة التعليم السعودية، «احتفاء وطني: أكثر من مليون مواطن تمكّنوا في الذكاء الاصطناعي عبر مبادرة سماي» (2025)


