من الإنذار إلى النجاة: ما الذي يضيفه الذكاء الاصطناعي لإدارة الكوارث؟
لا أحد يتنبأ بموعد الزلزال، لكن الإنذار المبكر يمنح ثواني ثمينة. أين يفيد الذكاء الاصطناعي، وأين يقف دور الإنسان؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
لا يستطيع العلم اليوم التنبؤ بموعد الزلزال، لكنه يستطيع رصد أول موجاته السريعة قبل وصول الأقوى منها، فيمنح الناس ثواني وربما دقيقة. وتقول «غوغل» إن حساسات هواتف أندرويد وسّعت هذه القدرة حتى بلغ من يتاح لهم الإنذار نحو 2.5 مليار، وتقدّم نماذج التعلّم الآلي توقعات فيضانات بمدى خمسة أيام. وتذكر الأمم المتحدة أن إنذارًا قبل الحدث بـ 24 ساعة قد يقلّل الأضرار بما يصل إلى 30%. غير أن الإنذار لا ينقذ إلا إن وصل في وقته، وصدّقه الناس، وتحرّكت جهة تستجيب. فالرهان على المنظومة كلها: بيانات، وقرار، وثقة، وإنسان في الحلقة.
المقال مطولًا طيّ المقال
لا يملك العلم اليوم وسيلةً للتنبؤ بموعد الزلزال، وتقول ذلك صراحةً النشرة التي أصدرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عن الإنذار المبكر. ما يملكه شيء آخر وأضيق: أن يرصد أول الموجات، وهي الأسرع والأضعف، وأن يرسل الإنذار قبل وصول الأقوى منها. والفرق بين الأمرين هو أول ما يلزم فهمه حين نتحدث عن الذكاء الاصطناعي والكوارث.
ثواني تصنع فرقًا
تتحرك الإشارات الإلكترونية أسرع من الموجات الزلزالية في باطن الأرض، فتتولّد نافذةٌ تتراوح، بحسب بُعدك عن مركز الزلزال، بين ثوانٍ ودقائق، وقد تكون معدومة قرب المركز. وفي هذه النافذة يمكن أن يتوقف قطار، أو تُغلق صمامات الغاز، أو يبتعد الناس عن النوافذ.
وقد وسّعت «غوغل» هذه القدرة بجعل حساسات التسارع في هواتف أندرويد شبكةً للرصد. تفيد الشركة في مدونتها البحثية (يوليو 2025) أن النظام عمل في 98 دولة بنهاية 2023، ورصد أكثر من 18,000 زلزال بين 1.9 و7.8 درجة، وأصدر تنبيهات لأكثر من 2,000 منها، وأرسل 790 مليون تنبيه، وأن عدد من يتاح لهم الإنذار المبكر عالميًّا ارتفع من نحو 250 مليونًا عام 2019 إلى نحو 2.5 مليار. وفي زلزال الفلبين (6.7 درجة، نوفمبر 2023) صدر التنبيه الأول بعد 18.3 ثانية، وأتاح نحو 15 ثانية قرب المركز وحتى دقيقة لمن هم أبعد. وهذه أرقام الشركة نفسها، ولم نقف على تدقيقٍ مستقل لها. وتقرّ المدونة بمقايضةٍ بين السرعة والدقة: التقدير المبكر المنخفض لقوة الزلزال قد يفوّت من هم في خطر، والمبالغ فيه يولّد إنذارات كاذبة.
الفيضانات: خمسة أيام لا ثوانٍ
الفيضان أبطأ من الزلزال، وهذا يتيح تنبؤًا أبعد. ففي ورقة نُشرت في «نيتشر» عام 2024، ذكر باحثون أن نموذجهم للتعلّم الآلي مدّ موثوقية التوقعات الحالية الآنية إلى مدى خمسة أيام، وأن مستوى المهارة في أفريقيا صار قريبًا مما هو متاح في أوروبا. وأفادت الورقة بأن النموذج يؤدي في الأحواض التي لا محطات قياس فيها أداءً قريبًا مما تؤديه الطرق القائمة في الأحواض المقيسة.
كم يوفّر الإنذار؟
تنقل مبادرة الأمم المتحدة «إنذارات مبكرة للجميع» (Early Warnings for All)، التي أطلقها الأمين العام عام 2022 بهدف حماية الجميع بنهاية 2027، عن اللجنة العالمية للتكيف أن إنذارًا قبل الحدث الخطر بـ 24 ساعة قد يقلّل الأضرار بنحو 30%. وتذكر أيضًا، نقلًا عن تقرير الحالة العالمية لعام 2022، أن وفيات الكوارث في الدول ذات التغطية الواسعة بالإنذار المبكر أقل بثمانية أضعاف منها في الدول ذات التغطية المحدودة. وتفيد أن 119 دولةً صارت مشمولة بنظام إنذار متعدد المخاطر.
وهذه الأرقام تخص الإنذار عمومًا لا الذكاء الاصطناعي وحده، لكنها تبيّن قيمة ما يسرّعه ويوسّعه.
حين يفشل الإنذار الدقيق
قصة الراعي الذي صاح بالذئب مرارًا حتى لم يصدّقه أحد عند مجيئه الحقيقي تصلح هنا. فالنموذج الدقيق لا ينفع إن لم يتحول إلى رسالة تصل في وقتها ويثق بها الناس، وإلى جهة تتحرك. والإنذارات الكاذبة المتكررة تُضعف الثقة، وتتطلب الاستجابة تدريبًا وتحديد مسؤوليات.
وللإنسان دور لا ينوب عنه نموذج: يزن الاحتمال بسياقه المحلي وبكلفته البشرية. فالنموذج يعطي احتمالًا، والقرار مسؤولية من يملكه. وعلم الغيب عند الله وحده، وكل ما نبنيه تقديرٌ نأخذ به بالأسباب.
كيف تبدو منظومة ناجحة؟
- بيانات متكاملة: حساسات وأقمار صناعية وسجلات متصلة وجودتها معروفة.
- حلقة قرار قصيرة: من النموذج إلى الإنذار إلى الإجراء دون ازدحام في الأوامر.
- شفافية وتدريب: جمهورٌ يعرف لماذا يُطلب منه الإخلاء، وتمارين دورية.
- إنسان في الحلقة: خبيرٌ يراقب ويصحّح.
وفي المملكة، تذكر «عرب نيوز» (2025) أن نظام «بصير»، من وزارة الداخلية بالتعاون مع «سدايا»، يستعمل الرؤية الحاسوبية والتعلّم الآلي لتحليل حركة أكثر من مليون مصلٍّ يوميًّا في المسجد الحرام، لاستباق الازدحام. وهو مثالٌ على ربط الرصد بالقرار في بيئة يتجمّع فيها الملايين.
والنجاة تُبنى لبنةً لبنة: نموذجٌ يرصد، ونظامٌ يوصل، وإنسانٌ يقرر، ومجتمعٌ يثق ويستجيب.
المراجع
- U.S. Geological Survey, Earthquake Early Warning: fact sheet 2014-3083
- Google Research, Android Earthquake Alerts: A global system for early warning (17 July 2025)
- G. Nearing et al., Global prediction of extreme floods in ungauged watersheds, Nature 627 (2024)
- United Nations, Early Warnings for All
- Early Warnings for All, About EW4All (citing the Global Commission on Adaptation and the 2022 Global Status Report)
- Arab News, How AI tech innovation has elevated the Hajj 2025 pilgrimage experience


