هل تأتمن خوارزميةً على مدخراتك؟ الوكلاء الماليون بين الوعد والحذر
الوكيل الآلي لا يخاف ولا يطمع، لكنه قد يخطئ مع ملايين غيره في اللحظة نفسها. ما الذي يَعِد به الوكلاء الماليون، وما الذي لا يستطيعونه؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
لا يكتفي الوكيل المالي القائم على الذكاء الاصطناعي بتقديم النصيحة، بل قد ينفّذ قرارات ضمن حدود يضعها صاحب المال. وأوضح ما يستهدفه سلوكُ المستثمر نفسه: فقد وجدت مورنينغستار (Morningstar) أن المستثمرين في الصناديق الأمريكية جنوا 8.7% سنويًّا في عشر سنوات حتى نهاية 2025، بينما حققت الصناديق 9.9%، والفرق سببه توقيت الشراء والبيع. غير أن مجلس الاستقرار المالي حذّر في 2024 من أن تشابه الأدوات قد يدفع الأسواق في اتجاه واحد في وقت واحد. وفي مارس 2026 أقرّ مجلس هيئة السوق المالية السعودية مشروع ضوابط للاستشارة الآلية. فالوكيل أداةٌ تعين ولا تحلّ محل مسؤولية صاحب المال.
المقال مطولًا طيّ المقال
من يحرس مدخراتك حين تنام؟ ليس مصرفك الذي يغلق عند المساء، بل ربما برنامجٌ يراقب الأسواق على مدار الساعة. هذا ما تَعِد به فكرة «الوكيل المالي»: نظامٌ يفهم هدفك، ثم يخطط وينفّذ ضمن صلاحيات تحدّدها أنت سلفًا.
من الآلة الحاسبة إلى الوكيل
بدأت الموجة الأولى بما يُعرف بـ«المستشار الآلي» (robo-advisor)، وهو برنامج يوزّع المحفظة ويعيد موازنتها وفق قواعد ثابتة. أما الوكلاء المبنيون على النماذج اللغوية الكبيرة فيُراد لهم أن يتجاوزوا القواعد الجامدة: أن يقرؤوا سياق صاحب المال، وأن يتصرفوا في حدود التفويض. وهذه الفكرة لا تزال وعدًا أكثر منها واقعًا مقيسًا؛ فلا يتوافر بعدُ دليلٌ منشور على أن الوكلاء يحسّنون عوائد الأفراد. وللتعريف بالنماذج انظر مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».
المشكلة التي يحاول الوكيل حلّها
المشكلة الأوضح في إدارة الثروات أن المستثمر نفسه يخطئ التوقيت. تقيس مورنينغستار الفرق بين ما تحققه الصناديق وما يجنيه المستثمرون فيها فعلًا. وفي عشر سنوات حتى 31 ديسمبر 2025 بلغ عائد الصناديق الأمريكية 9.9% سنويًّا، وعائد المستثمر المتوسط 8.7%. أي فارق قدره 1.2 نقطة مئوية سنويًّا، نحو 12% من العائد الكلي، وتعزوه مورنينغستار إلى توقيت الشراء والبيع وحجمهما. وللتفصيل في هذه الفجوة وفي المستشار الآلي انظر مقال «المستشار الآلي: هل تحرسك الخوارزمية من نفسك؟».
يوحي ذلك بأن الانضباط الآلي قد يضيّق الفجوة، فالبرنامج لا يذعر في الهبوط ولا يتحمّس في الصعود. لكنها فرضية معقولة لا نتيجة مثبتة، فقد يذعر المستثمر من وكيلٍ لا يفهمه فيلغي التفويض في أسوأ لحظة.
ثلاثة مخاطر تلفت إليها الجهات التنظيمية
في نوفمبر 2024 أصدر مجلس الاستقرار المالي (Financial Stability Board) تقريره عن الاستقرار المالي والذكاء الاصطناعي، وحدّد من مواطن الهشاشة:
- التشابه: إذا اعتمدت مؤسسات كثيرة أدواتٍ متشابهة، فقد تتحرك الأسواق في الاتجاه نفسه في الوقت نفسه، فيتضخم الاضطراب بدل أن يتبدد.
- الاعتماد على المزوّدين: تركّز الخدمة عند عدد قليل من الجهات يعني أن عطلًا واحدًا قد يمتد أثره.
- المخاطر السيبرانية وجودة النماذج والبيانات: نموذجٌ ضعيف الحوكمة قد يُنتج قراراتٍ خاطئة بثقة.
ويضاف إلى ذلك سؤالٌ لا يجيب عنه التقرير وحده: لمن يكون ولاء الوكيل، لصاحب المال أم لمن صنعه؟ والجواب العملي هو الإفصاح والمساءلة، وهذا ما تتجه إليه الضوابط.
الضوابط السعودية والاعتبار الشرعي
بحسب «أرقام» أقرّ مجلس هيئة السوق المالية في 5 مارس 2026 مشروع ضوابط لخدمات الاستشارة الآلية، وذلك بعد تجارب أجرتها شركات مرخّصة في المختبر التنظيمي للتقنية المالية. ومن أبرز ما نقلته «أرقام» ومكتب التميمي:
- لا تُقدَّم الخدمة إلا عبر جهات مرخّصة في إدارة الاستثمار.
- إبلاغ الهيئة باستراتيجيات المحافظ مسبقًا، واختبار الخوارزميات دوريًّا، وأضاف مكتب التميمي اشتراط اختبار مستقل سنوي لسلامتها.
- الإفصاح في المنصة عن دور الخوارزمية وآليتها ومخاطرها.
- نشر الأداء التاريخي منذ التأسيس بعد خصم المصروفات الفعلية.
- تسجيل مسؤول تقنية المعلومات الذي يدير الأنظمة.
وقد اختلفت العبارة بين المصدرين في وصف الإجراء، أهو تعديلات أُقرّت أم مشروع منظّم؟ فارجع إلى نص الهيئة الرسمي عند الحاجة.
يهم المسلم أن يكون استثماره موافقًا للشرع، فيتجنب الربا ويحذر الغرر. وقد تستطيع الخوارزمية تصفية الأدوات وفق معايير مقررة، لكن الحكم الشرعي يصدر عن الجهة الشرعية المختصة، لا عن البرنامج. فتحقق من إجازة المنتج لدى هيئة شرعية معتمدة قبل أن تفوّض.
أسئلة قبل أن تفوّض
- ما الحدود التي أستطيع وضعها، وهل أستطيع إيقاف الوكيل فورًا؟
- هل الجهة مرخّصة، وماذا تفصح عن آلية القرار؟
- من يتحمل الخسارة إذا أخطأ النظام؟
- هل أفهم ما يفعله بما يكفي لأراجعه دوريًّا؟
الثروة أمانة، وتدبيرها بعلمٍ وتأنٍّ من الأخذ بالأسباب، ولا يغني التفويضُ لآلةٍ عن مسؤولية صاحب المال. وهذه المادة معرفةٌ عامة وليست توصية استثمارية؛ فاستشر مختصًّا مرخَّصًا.
المراجع
- Morningstar, Mind the Gap: A Report on Investor Returns in the US (10 years ended 31 December 2025)
- Financial Stability Board, The Financial Stability Implications of Artificial Intelligence (press release, 14 November 2024)
- Argaam, CMA approves regulation of robo-advisory services (March 2026)
- Al Tamimi & Company, Capital Market Authority approves the regulation of robo-advisory services: key takeaways (13 March 2026)

