القطاعات والتطبيقات

حين يُمشّط الذكاء الاصطناعي السماء: ماذا يكتشف فعلًا؟

كوكبٌ ثامن في نظام «كبلر-90» عثرت عليه شبكة عصبية في بياناتٍ كانت بين يدي الفلكيين. فما الذي تضيفه الخوارزميات إلى علم الفلك، وما الذي يبقى للإنسان؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

جمهور يتابع محاضرة في قاعة

كبسولة نانودقيقة واحدة

يُتوقع أن ينتج مرصد فيرا روبين نحو 20 تيرابايت من الصور كل ليلة طوال مسحٍ يدوم عشر سنوات، وهو حجم لا تفحصه أعين البشر. ولذلك لجأ الفلكيون إلى التعلّم الآلي. ففي 2018 صنّف باحثان بشبكة عصبية إشارات من بيانات مسبار كبلر، فرتّبت الإشارات الحقيقية فوق الزائفة في 98.8% من حالات الاختبار، وأسهمت في تأكيد كوكبين جديدين، منهما الثامن في نظام «كبلر-90» الذي صار يعادل الشمس في عدد كواكبه المعروفة. غير أن الخوارزميات ترتّب وتصفّي ما حدّدناه سلفًا، ولا تقرّر ما يستحق السؤال؛ فيبقى التأكيد والفضول البشريان في موضعهما.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

لم يعد الفلكيّ الذي يسهر على عدسته الصورة الكاملة. فهناك اليوم كوكبٌ ثامن في نظامٍ نجميٍّ معروف مرّ على شاشات العلماء دون أن ينتبهوا إليه، ثم رآه برنامجٌ يمشّط الأرقام بصبرٍ لا يملّ.

سيلٌ من الصور

في 23 يونيو 2025 كشف مرصد فيرا روبين (Vera C. Rubin Observatory) عن أولى صوره العلنية. تحمل كاميرته 3,200 ميغابكسل، ويُنتظر أن تنتج نحو 20 تيرابايت من البيانات كل ليلة، في مسحٍ يمتد عشر سنوات يُعرف بـ«مسح الإرث للفضاء والزمن» (LSST). وتقدّر المواد التعريفية المصاحبة أنه سيرصد نحو 17 مليار نجم و20 مليار مجرة وملايين الظواهر العابرة كالمستعرات. وهذا حجم لا يفحصه فريقٌ بشري مهما طال عمره، ومن هنا صار التعلّم الآلي حاجةً لا ترفًا.

كيف تُرى الكواكب بلا عين؟

معظم الكواكب خارج المجموعة الشمسية لا تُرى مباشرة، بل يُستدل عليها بخفوتٍ طفيف في ضوء نجمها حين تعبر أمامه. وقد بنى مسبار كبلر (Kepler) عمله على قياس هذا الخفوت لعدد هائل من النجوم. لكن ليس كل خفوتٍ كوكبًا؛ فقد يكون ضجيجًا في الجهاز أو ظاهرةً فلكية أخرى.

في 2018 نشر كريستوفر شالو (Christopher Shallue) وأندرو فاندربرغ (Andrew Vanderburg) نتائج شبكة عصبية التفافية دُرّبت على التمييز بين الإشارة الكوكبية والإنذار الكاذب. رتّبت الشبكة الإشارات المرجّحة فوق الزائفة في 98.8% من حالات الاختبار، وهو مقياس ترتيب لا دقةٌ تصنيفية بالمعنى المألوف. وطُبّقت على إشارات جديدة في أنظمة معروفة بتعدد كواكبها، فأُكّد كوكبان: أحدهما في نظام «كبلر-80»، والآخر كوكبٌ ثامن في «كبلر-90»، فصار هذا النجم يعادل الشمس في عدد الكواكب المعروفة. وليس في الأمر رصدٌ جديد للسماء؛ إنما كانت الإشارة في بياناتٍ قائمة، لم يلتقطها التحليل السابق.

الإنسان في الحلقة وحدود الأداة

لا تُعلن الخوارزمية اكتشافًا بنفسها؛ فهي ترتّب المرشحين، ثم يأتي التحقق الإحصائي والمراجعة العلمية. ومن الأمثلة الجميلة على هذا التكامل مشروع «غرافيتي سباي» (Gravity Spy) في مرصد ليغو (LIGO) لموجات الجاذبية. فهناك اضطراباتٌ ضجيجية قصيرة في الكاشفات (glitches) قد تحاكي إشارة حقيقية، فيصنّف متطوعون على منصة «زووينفرس» صورها إلى فئات معروفة، وتُدرَّب بتصنيفاتهم نماذج التعلّم الآلي، ويُطلب منهم تنبيه الباحثين إلى صورٍ قد تمثل فئةً جديدة. وغايته معرفة أسباب هذه الاضطرابات وإزالتها من البيانات أو من الأجهزة.

والملحوظ أن الإنسان هو من يلاحظ الجديد، وأن الآلة تتعلم مما صنّفه البشر.

هذه حدود يُستنتج بعضها من طبيعة الأداة لا من دراسة بعينها:

  • نموذجٌ دُرّب على أنماط معروفة يُحسن العثور على أشباهها، وقد يعامل الغريب كضجيج.
  • كثير من النماذج العميقة يصعب تفسير قرارها، والعلم يطلب الفهم لا التنبؤ وحده.
  • النتيجة الأنيقة بأرقام دقيقة تغري بالتسليم، فلا بد من رصد مكمّل ومراجعة بشرية.

ومن ثَمّ يظل أنفع تقسيم للعمل: الآلة تمسح وترتّب، والإنسان يسأل ويؤوّل ويحرس الشاذّ.

والسياق السعودي

أُعلن في أواخر ديسمبر 2018 بأمرٍ ملكي إنشاء وكالة الفضاء السعودية، بحسب ما نقله «العربي الجديد»، وذُكر أنها تستهدف الاتصالات الفضائية والاستثمار في صناعة الفضاء لتنويع الاقتصاد. وتحليل البيانات الفلكية مجال يجمع علم الفلك وعلم البيانات، وهو بابٌ مفتوح لمن يتقن الحقلين.

ما بعد الدهشة

يبقى سؤال الإنسان الأول أمام النجوم كما هو: ماذا هناك في الظلام البعيد؟ وتغيّرت الأداة فقط: عينٌ مجرّدة، فعدسة، فمستشعر، فخوارزمية. وفي كل ذلك عبرةٌ لمن تأمّل في عظمة الخلق وفي توفيق الله للإنسان أن يتعلم ما لم يعلم، مع وجوب التحقق قبل التسليم.

المراجع

  1. C. J. Shallue & A. Vanderburg, Identifying Exoplanets with Deep Learning: A Five Planet Resonant Chain around Kepler-80 and an Eighth Planet around Kepler-90, The Astronomical Journal 155 (2018)
  2. M. Zevin et al., Gravity Spy: Integrating Advanced LIGO Detector Characterization, Machine Learning, and Citizen Science (2016)
  3. LSST:UK, Rubin Observatory First Look: key messages (June 2025)
  4. Penn State Eberly College of Science, Vera C. Rubin Observatory First Look
  5. The New Arab, Saudis in orbit: Riyadh sets up national space agency (28 December 2018)