هل تكفي الموافقة؟ كلفة القراءة وحقّ الوصول إلى البيانات
قراءة سياسات الخصوصية كلها تستغرق مئات الساعات في السنة، فلا يصلح أن يُحمَّل الفرد وحده هذا العبء. فما الطريق الذي تجرّبه التشريعات؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
يقول القانون التقليدي: وافق المستخدم فانتهى الأمر. غير أن ورقة منشورة عام 2008 قدّرت أن قراءة سياسات الخصوصية التي يصادفها المستخدم الأمريكي في سنة واحدة تستغرق نحو 244 ساعة، وهي أرقام قديمة لكنها تكشف أن تحميل الفرد وحده عبء القراءة لا يصلح قاعدةً. ويجرّب «قانون البيانات» الأوروبي طريقًا آخر: حق مستعمل الجهاز المتصل في الوصول إلى بياناته ومشاركتها مع من يشاء، وهو ساري المفعول منذ 12 سبتمبر 2025. والمهم أن نسأل عمّن يصل إلى البيانات ويعيد استعمالها ويتقاسم فائدتها، لا عن الجمع وحده.
المقال مطولًا طيّ المقال
حين تتصفح هاتفك بلا غاية، تترك أثرًا يُسجَّل ويُجمَع إلى آثار غيرك. وبعد أن يُجمع، يبقى السؤال: بأي حق، ومن يستفيد؟
البيانات لا تنفد بالاستعمال
يستطيع كثيرون استعمال البيانات نفسها في وقت واحد، وهذه الخاصية («عدم التنافس» في لغة الاقتصاديين) هي ما يجعل تشبيهها بالنفط قاصرًا؛ وقد فصّلناها في مقال «البيانات ليست «النفط الجديد»: أين يصدق التشبيه وأين يضلّل؟». ومن نتائجها، في نموذج نظري نشره جونز (Charles Jones) وتونيتي (Christopher Tonetti) عام 2020، أن بنية السوق وحقوق الملكية تصبحان حاسمتين، وأن اكتناز الشركات للبيانات قد يهدر منفعتها. وهو نموذج يفترض شروطًا محددة، لا برهان على أن الملكية الفردية هي الحل العملي الأمثل، لكنه يبيّن أن سؤال «من يملك؟» ليس تفصيلًا تقنيًّا.
الموافقة لا تكفي
يقول القانون التقليدي: وافق المستخدم فاستقام الأمر. لكن ورقة أليسيا مكدونالد (Aleecia McDonald) ولورّي كرانور (Lorrie Faith Cranor) المنشورة عام 2008 قدّرت أن قراءة سياسات الخصوصية التي يصادفها المستخدم الأمريكي سنويًّا تستغرق نحو 244 ساعة (بمجال تقدير بين 181 و304)، وأن الكلفة الوطنية للوقت تبلغ نحو 781 مليار دولار سنويًّا. وهذه أرقام بيانات 2008 لا تمثل واقع اليوم (وتذكر الورقة نفسها في موضع آخر رقمًا أدنى هو نحو 201 ساعة)، لكنها تكشف أن تحميل الفرد عبء القراءة وحده لا يصلح قاعدةً. وعن الاستنتاج والخصوصية انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».
سياساتٌ تجرّب طريقًا آخر
يتجه «قانون البيانات» الأوروبي (EU Data Act) إلى حق المستخدم في الوصول إلى بيانات الأجهزة المتصلة التي يستعملها، كالسيارات والآلات الصناعية، ومشاركتها مع أطراف ثالثة، مثل ورش صيانة مستقلة، مما قد يخفض كلفة الخدمات. وقد دخل حيز النفاذ في 11 يناير 2024 ويسري منذ 12 سبتمبر 2025. وفي المملكة صدر نظام حماية البيانات الشخصية، وسبق عرضه في المقال المشار إليه أعلاه.
ولا يعني ذلك أن النموذج الأوروبي يصلح كما هو لكل بيئة؛ فلكل مجتمع أولوياته وأنظمته وقيمه.
أسئلة قبل أن تضغط «أوافق»
- ما الذي يُجمع عني، ولأي غرض يُستعمل؟
- هل أستطيع الحصول على بياناتي أو نقلها أو مشاركتها؟
- من يجني الفائدة من تجميعها مع بيانات غيري؟
- ماذا يحدث لها إذا بيعت الجهة أو اندمجت؟
البيانات أمانة في يد من يجمعها، ومن ائتُمن على بيانات الناس فعليه أداء الأمانة حفظًا واستعمالًا بحق. وبقدر ما نفهم طبيعتها الاقتصادية نحسن الدفاع عن حقنا ونحسن الانتفاع بها معًا.

