الاقتصاد والأعمال

البيانات ليست «النفط الجديد»: أين يصدق التشبيه وأين يضلّل؟

برميل النفط يُحرق مرة، أما البيانات فلا يستنفدها الاستعمال. وبين الفارق والتشابه تتحدد سياسات المؤسسات والدول.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصوّر يمسك كاميرا ويتأمل في العدسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

شاع تشبيه البيانات بالنفط الجديد، وفيه نصف حقيقة. فالنفط يُحرق مرة واحدة، أما البيانات فلا يستنفدها الاستعمال: يمكن أن تفيد جهات كثيرة في وقت واحد، وهي الخاصية التي سمّاها الاقتصاديون «عدم التنافس». ومع ذلك لا قيمة للبيانات الخام حتى تُنظَّف وتُربط بسياقها وتتحول إلى قرار؛ وفي دراسة على 179 شركة كبرى ارتبط الاعتماد على القرار المبني على البيانات بإنتاجية أعلى بنحو 5 إلى 6% مما يُتوقع. وفي البيانات جانب إنساني لا يعرفه النفط: فهي أثر أناس لهم خصوصية وكرامة. لذلك تُقاس قوة المؤسسة بحسن تنظيم بياناتها وحمايتها، لا بكثرة ما تكدّسه منها.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

لو أحرقتَ برميل نفط فقد انتهى. أما سجلُّ ما اشتراه ملايين الناس فيمكن أن يدرّب نموذجًا اليوم ويخدم نموذجًا آخر غدًا دون أن ينقص منه شيء. هذا أول ما يكشف حدود تشبيه البيانات بـ«النفط الجديد»، وهو تشبيه راج في الصحافة الاقتصادية لأنه يلتقط حقيقة: من يملك المورد الأثمن يملك نفوذًا. لكنّ المجاز يضيء جانبًا ويعتّم آخر.

أين يضلّلنا التشبيه؟

أولًا، البيانات غير تنافسية. يصفها الاقتصاديان تشارلز جونز (Charles Jones) وكريستوفر تونيتي (Christopher Tonetti) بأنها غير تنافسية (nonrival): فالبيانات نفسها قد تستعملها شركات كثيرة معًا. ويترتب على ذلك عوائد متزايدة، وقد يكون في إتاحتها لجهات واسعة نفعٌ اجتماعي حتى بعد حساب هواجس الخصوصية، بينما قد تحجبها الشركات خوفًا من المنافسة فتضيع منفعتها. هذا منطق لا يشبه ندرة النفط.

ثانيًا، لا قيمة للخام. البيانات التي لا تُنظَّف ولا تُربط بسياقها ولا تُحوَّل إلى قرار عبءٌ يُخزَّن ويُؤمَّن. وقد تتراكم في مستودعات متفرقة لا يكلّم بعضها بعضًا. والعبارة الهندسية المعروفة «مدخلات رديئة تعطي مخرجات رديئة» تصدق هنا: فالنموذج لا يعرف من العالم إلا ما عُرض عليه.

ثالثًا، لها كلفة طاقة. استهلكت مراكز البيانات نحو 1.5% من كهرباء العالم في 2024 بتقدير وكالة الطاقة الدولية، وتتوقع الوكالة نموًّا كبيرًا (أرقامه في مقال «سباق الذكاء الاصطناعي: من يملك الرقائق والطاقة والقواعد؟»). فالوقود الرقمي نفسه يستهلك وقودًا مادّيًّا، وأي استراتيجية بيانات تتجاهل ذلك ناقصة الحساب.

وأين يصدق؟

يصدق في أنّ القدرة على الاستفادة منها تُنتج ميزة. ففي دراسة على 179 شركة كبرى كانت الشركات التي تعتمد على القرار المبني على البيانات أعلى إنتاجية بنحو 5 إلى 6% مما يُتوقع بالنظر إلى استثماراتها الأخرى واستعمالها لتقنية المعلومات، وجرّب الباحثون أدوات إحصائية تقلّل احتمال أن يكون السبب كونها أصلًا أفضل أداءً. وهي دراسة عمرها عقد ونصف، ولا تخصّ الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تدعم فكرة أنّ الثقافة التي تجعل المعطى أساسًا للقرار تكسب.

ويُرجَّح أن يميل التراكم إلى التمركز: من عنده بيانات أكثر يحسّن خدمته، فيجذب مستخدمين أكثر، فتزيد بياناته. وهذه آلية معقولة لا رقم لها هنا، لذلك نعرضها فرضيةً. وقد ذهب نيك كولدري (Nick Couldry) وأوليسيس ميخياس (Ulises Mejias) في كتابهما «كلفة الاتصال» (2019) إلى أنّ استخراج البيانات من حياة الناس امتدادٌ لأنماط قديمة من الاستخراج تتركز بها القوة في قلة من الشركات. وهي أطروحة جدلية، يتفق معها باحثون ويعترض آخرون، وأيًّا كان الحكم عليها فهي تذكّر بأنّ من لا يملك سيادةً على بياناته ونماذجه يرتهن لغيره في قراراته.

البيانات أثرُ بشر

يغيب عن مجاز النفط أنّ كل معطى أثرٌ لإنسان له خصوصيته وكرامته. ولهذا لا تُعامَل البيانات كسلعة صرفة. وفي المملكة أُنشئت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) بأمر ملكي عام 2019، وتتولى سياسات حوكمة البيانات ودعم تطبيق نظام حماية البيانات الشخصية، بحسب ملخص تعريفي لجهة غير حكومية، فينبغي الرجوع إلى النص الرسمي للتفاصيل. وفي ميزان الشرع، ما ائتُمنّا عليه من خصوصيات الناس أمانةٌ تُصان. وعن كلفة «الموافقة» وحق الوصول انظر مقال «هل تكفي الموافقة؟ كلفة القراءة وحقّ الوصول إلى البيانات».

أسئلة لأي مؤسسة

  1. ما البيانات التي نجمعها حقًّا، ولأي غاية محددة؟
  2. من يصل إليها، ولكم من الوقت نحتفظ بها؟
  3. هل هي مرتبطة بسياقها بحيث تصلح لقرار، أم نكدّس ملفات متفرقة؟
  4. هل نحتفظ بثقة أصحابها، وهي رأس مال لا تعوّضه كثرة البيانات؟

وأنفع ما يقال ربما أن نترك السؤال «كم نجمع؟» لنسأل «ماذا نصنع بما عندنا، وعلى أي أساس نحميه؟». فمن أحسن الجواب جعل البيانات رافدًا للثقة والقرار، لا حملًا يثقل صاحبه.

المراجع

  1. C. I. Jones & C. Tonetti, Nonrivalry and the Economics of Data, American Economic Review (2020)
  2. E. Brynjolfsson, L. M. Hitt & H. H. Kim, Strength in Numbers: How Does Data-Driven Decisionmaking Affect Firm Performance? (2011)
  3. N. Couldry & U. A. Mejias, The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism, Stanford University Press (2019)
  4. IEA, Energy and AI: Energy demand from AI (2025)
  5. Regulations.AI, Saudi Arabia: National AI Authority establishment (Royal Order A/471, 2019), third-party summary