الإنسان والمعرفة

الشراكة مع الآلة: لماذا نحتاج «الاحتكاك المنتج»؟

ليس الخطر أن تتمرد الآلة، بل أن نتخفّف من الجهد الذي يبني ملكاتنا. ما الذي تقوله الدراسات الأولى، وكيف نستعين بالأداة دون أن نفرّط؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شابان يعملان على حاسوبين محمولين

كبسولة نانودقيقة واحدة

في دراسة أولية من باحثين في «إم آي تي» كتب 54 مشاركًا مقالات بمساعدة نموذج لغوي أو محرك بحث أو دون أدوات، فكان اتصال الدماغ المقيس أضعف لدى مستخدمي النموذج، وقلّ شعورهم بملكية نصوصهم. وتشير دراسة استقصائية على 319 من العاملين في المعرفة إلى أنّ ارتفاع الثقة بالذكاء الاصطناعي يقترن بتفكير نقدي أقل. وهذه نتائج مبكرة، صغيرة الحجم أو ذاتية التقرير، ولا تثبت ضمور العقل. لكنها تكفي لنتعامل بحذر: أن نفكر أولًا ثم نستعين بالأداة، وأن نُبقي الجهد الذي يبني ملكاتنا، وأن نطلب منها نقدًا وتصويبًا لا بديلًا عن تفكيرنا.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

كتب أربعةٌ وخمسون مشاركًا مقالاتٍ على مدى جلسات، بعضهم بمساعدة نموذج لغوي، وبعضهم بمحرك بحث، وبعضهم بعقله وحده، بينما سُجّلت إشارات أدمغتهم. هذه هي ورقة «دماغك على شات جي بي تي» (Your Brain on ChatGPT) التي نشرها باحثون على رأسهم ناتاليا كوزمينا (Nataliya Kosmyna) في يونيو 2025. وفيها نقطةٌ تستحق أن تُقرأ بهدوء.

ماذا وجدت الدراسة؟

كان اتصال الدماغ المقيس بالتخطيط الكهربائي أقوى لدى من كتبوا بلا أدوات، ومتوسطًا لدى مستعملي محرك البحث، وأضعف لدى مستعملي النموذج. وأفاد مستعملو النموذج بأدنى شعور بملكية مقالاتهم، وواجهوا صعوبة في اقتباس ما كتبوه. وسمّى الباحثون ما رأوه «دَينًا معرفيًّا» (cognitive debt)، أي راحةً في الحاضر قد تقابلها كلفة لاحقة.

لكن لنزن الدليل: العينة 54 مشاركًا، ولم يُكمل الجلسة الرابعة سوى 18، والمهمة كتابة مقالات من نوع واحد، والورقة نسخة أولية لا تفيد صفحتها بأنها حُكّمت. فهي إشارة تستدعي مزيدًا من البحث، لا برهان على ضمور العقل.

ثقة بالأداة أم ثقة بالنفس؟

أقرب منها إلى الواقع المهني دراسة استقصائية قدّمها باحثون من جامعة كارنيغي ميلون و«مايكروسوفت» في مؤتمر «CHI» عام 2025 على 319 من العاملين في المعرفة وصفوا 936 مهمة. وجدوا أنّ ارتفاع الثقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي يقترن بتفكير نقدي أقل وبشعور بأنه أسهل جهدًا، وأنّ ارتفاع ثقة الشخص بنفسه يقترن بتفكير نقدي أكثر وجهد أكبر. وهي بيانات ذاتية التقرير وارتباطية، فلا تقول إنّ الأداة هي السبب؛ لكنها تلفت إلى أنّ الثقة المفرطة بجواب مصقول قد تُسكِت الشكّ الذي نحتاجه.

وفي ميدان أقدم، تشير دراسة على نحو خمسين سائقًا إلى أنّ من استعملوا أنظمة الملاحة أكثر على مدى حياتهم كانت ذاكرتهم المكانية أضعف حين يتنقلون بلا مساعدة. غير أنّ المتابعة شملت 13 مشاركًا فقط، والمؤلفان أنفسهما يحذّران من الاستنتاج القاطع. فالنمط مألوف، والحجة لا تزال بحاجة إلى دراسات أوسع.

الاحتكاك المنتج

نستعمل هنا تعبير «الاحتكاك المنتج» وصفًا لا مصطلحًا علميًّا: هو الجهد الذهني الذي نبذله حين نصارع فكرة أو نصوغ جملة أو نحسم قرارًا صعبًا، فهو الموضع الذي تنمو فيه الملكة. ولا يعني ذلك أن نترك الأدوات؛ فالتفويض في المهام المتكررة نعمة تُشكر. وإنما نسأل: أي جهد نريد أن نبقيه لأنه يبنينا؟

وتشير بيانات «المنتدى الاقتصادي العالمي» (2025) إلى أنّ التفكير التحليلي أكثر المهارات الجوهرية طلبًا، إذ عدّه نحو سبعة من كل عشرة أصحاب عمل أساسيًّا، وأنّ أصحاب العمل يتوقعون أن يتغيّر نحو 39% من مهارات العامل أو يتقادم بحلول 2030. وفي تقديرنا أنّ ما يتقادم هو الإجراء، أما الحكم النقدي فيبقى مطلوبًا.

عادات صغيرة

  1. فكّر أولًا: اكتب مسودتك أو رأيك أو خطتك بنفسك، ثم اطلب من الأداة مراجعتها.
  2. اطلب النقد لا البديل: «ما نقاط الضعف في حجتي؟» أنفع من «اكتب لي».
  3. عامل الجواب مسودة: راجع الأرقام والمصادر قبل أن تعتمد.
  4. احفظ مساحات بشرية: رسالة لمن تحب، وحوار تربوي مع الأبناء، ومعضلة أخلاقية تتأملها بنفسك.
  5. علّم الناشئة السؤال: وحريّ بمحو الأمية الرقمية اليوم أن يشمل التمييز بين الموثوق والمفبرك، لا إتقان الأدوات وحدها. وانظر مقال «نهاية عصر التلقين؟».

والعقل أمانةٌ ونعمة، وشكرها أن نحسن استعماله وننميه. فالأداة تستطيع أن تُسرع عملنا، وتبقى المسؤولية عن القرار والحكم عند من يُسأل عنهما.

المراجع

  1. N. Kosmyna et al., Your Brain on ChatGPT: Accumulation of Cognitive Debt when Using an AI Assistant for Essay Writing Task, arXiv:2506.08872 (preprint, 2025)
  2. H.-P. Lee et al., The Impact of Generative AI on Critical Thinking: Self-Reported Reductions in Cognitive Effort and Confidence Effects From a Survey of Knowledge Workers, CHI 2025
  3. L. Dahmani & V. D. Bohbot, Habitual use of GPS negatively impacts spatial memory during self-guided navigation, Scientific Reports 10 (2020)
  4. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025: Digest