الإنسان والمعرفة

التفكير النقدي حين تجيب الآلة عنّا

الخطر ليس أن تخطئ الآلة فقط، بل أن تصيب كثيرًا فنكفّ عن السؤال. ماذا تقول الدراسات، وما العادات التي تحفظ عقولنا؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رجل يحمل رمزًا لعقل رقمي وأمامه أشكال بشرية زرقاء

كبسولة نانودقيقة واحدة

حين يصير الجواب الجاهز في ثوانٍ، يضعف الدافع إلى فحصه. وتشير دراسة استطلاعية قُدّمت في مؤتمر «CHI 2025» على 319 من العاملين في المعرفة إلى أن زيادة الثقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي ترتبط بقلّة التفكير النقدي، وأن زيادة الثقة بالنفس ترتبط بكثرته؛ وهي علاقة ارتباط مبنية على ما أفاد به المشاركون لا إثبات سببية. وتفسّر أبحاث حديثة لماذا تخطئ النماذج بثقة: نظام التدريب والتقييم يكافئ التخمين لا الاعتراف بعدم المعرفة. والمهارة التي يطلبها أصحاب العمل أولًا هي التفكير التحليلي. فالنافع أن نعامل مخرجات الآلة مسوّدةً نحقق منها ونحتفظ بالقرار لإنسانٍ مسؤول.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

مشهد صار مألوفًا: يعلّق أحدهم بثقةٍ على مقالٍ لم يقرأه، لأنه أعطى رابطه لمساعدٍ ذكي وأخذ «الخلاصة». ليس الكسل هو المشكلة وحدها، بل هذا السؤال: إذا فوّضنا الآلة بالفهم والاستنتاج، فمن يبقى ليحكم على ما كُتب؟

هل تُضعف الآلةُ نقدَنا؟

لا يمكن الجزم، لكن في الأدلة ما يستحق الانتباه. استطلعت دراسةٌ منشورة على موقع «مايكروسوفت للأبحاث» وقُدّمت في مؤتمر «CHI 2025» آراء 319 من العاملين في المعرفة، وجمعت منهم 936 مثالًا على استعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل. وكانت النتيجة أن الثقة الأكبر بالأداة ترتبط بتفكيرٍ نقدي أقل أثناء استعمالها، وأن الثقة الأكبر بقدرة الشخص على أداء المهمة بنفسه ترتبط بتفكيرٍ نقدي أكثر. وللأمانة العلمية: هذا استطلاع يقوم على ما يقوله المشاركون عن أنفسهم، والارتباط فيه لا يثبت أن الأداة هي السبب.

وقد درس علماء العوامل البشرية الظاهرة نفسها قبل ظهور النماذج اللغوية بسنوات تحت اسم «التحيّز نحو الأتمتة». فقد راجع باراسورامان (Raja Parasuraman) ومانزي (Dietrich Manzey) عام 2010 الدراسات المتاحة وخلصا إلى أن الناس يقعون في أخطاء إغفالٍ وأخطاء إقرارٍ حين يكون العون الآلي غير كامل، وأن ذلك يبقى رغم التدريب والتعليمات.

لماذا تخطئ بثقة؟

يقول مؤلفو ورقة «لماذا تهلوس النماذج اللغوية» (2025) إن الهلوسة، أي العبارة المعقولة الكاذبة، تنشأ جزئيًّا لأن التدريب والتقييم يكافئان التخمين الواثق على التعبير عن الشك، فتُحسَّن النماذج لتكون «جيدة في الاختبارات». ومعنى ذلك أن الطلاقة لا تدل على المعرفة، وأن النموذج الذي يجيب بلا تردد ليس بالضرورة أصدقَ ممن يتردد. وقد شرحنا ما تفعله هذه النماذج في مقال «كيف تعمل النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) مثل ChatGPT؟».

لماذا يزداد الطلب على الحكم؟

حين يتساوى الجميع في سرعة إنتاج النص، يبقى التمييز هو الجهد النادر. وفي تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي «الوظائف 2025» (The Future of Jobs Report)، المبني على استطلاع أكثر من ألف صاحب عمل يمثّلون أكثر من 14 مليون عامل في 55 اقتصادًا، جاء التفكير التحليلي أول المهارات الجوهرية، ورآه سبعة من كل عشرة أصحاب عمل أساسيًّا. وهذه نتيجة استطلاعٍ لآراء أصحاب العمل لا حكمٌ نهائي، لكنها تُظهر وجهة الطلب.

تجربة تفعلها اليوم

اطلب من المساعد الذكي أن يلخّص لك نصًّا تعرفه جيدًا، ثم قارن الملخص بالأصل سطرًا سطرًا. ستلاحظ أين أحسن الاختصار، وأين أضاف ما ليس في النص، وأين أسقط تحفّظًا مهمًّا. هذه التجربة الصغيرة تكشف لك طبيعة الأداة أصدق من أي وصف، وتعطيك مقياسًا شخصيًّا لمقدار ما تثق به في مثل هذه المهمة، وتذكّرك بأن «الخلاصة» ليست «النص».

خمس عادات صغيرة

  1. الثقة المشروطة: عامل كل جوابٍ مسوّدةً أولى، واطلب منه المصدر، وافتح المصدر بنفسك.
  2. تحقّق من الأرقام والأسماء قبل أن تنقلها، فهذه التفاصيل يسهل الخطأ فيها ويصعب اكتشافه.
  3. اسأل أسئلةً أفضل: صياغة السؤال تمرينٌ نقدي في ذاتها.
  4. أبقِ المهارة حيّة: لا تفوّض إلى الآلة ما يجب أن تتقنه؛ فالمهارة التي لا تُمارَس تضعف، ولعل في نتيجة الاستطلاع أعلاه ما ينبّه إلى هذا الحذر.
  5. قارن واختلف: قابل الإجابة بمصدرٍ ثانٍ، وامنح نفسك حقّ مخالفة الآلة؛ فالقرار الأخير يتحمّل تبعته إنسانٌ مسؤول أمام الله ثم أمام الناس.

وبهذا لا تسلبنا الآلة عقولنا، بل نحن من نملك أن نسلّمها أو نحتفظ بها. والعادة الأنفع التي نورّثها أبناءنا ليست حفظ الأجوبة، بل أن يسألوا «من قال؟ وما الدليل؟» قبل أن يصدّقوا.

المراجع

  1. H.-P. Lee et al., The Impact of Generative AI on Critical Thinking: Self-Reported Reductions in Cognitive Effort and Confidence Effects From a Survey of Knowledge Workers, CHI '25 (2025)
  2. R. Parasuraman & D. Manzey, Complacency and Bias in Human Use of Automation: An Attentional Integration, Human Factors 52(3): 381–410 (2010)
  3. A. T. Kalai, O. Nachum, S. Vempala, E. Zhang, Why Language Models Hallucinate, arXiv:2509.04664 (2025)
  4. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025, Digest