الأخلاقيات والحوكمة

توطين الذكاء الاصطناعي: السياق الثقافي لا ترجمة الواجهة

قد ينطق النموذج بالعربية ويفكّر بسياقٍ غريب. ماذا تقول الأبحاث عن الانحياز الثقافي، وكيف نقيس التوطين الحقيقي؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رجل يلمس رمزًا رقميًّا لذكاء اصطناعي بأطراف أصابعه

كبسولة نانودقيقة واحدة

ترجمة واجهة التطبيق إلى العربية لا تجعل النموذج عربيّ السياق. فقد قارنت دراسة (2024) ستة عشر نموذجًا بمجموعة «كامل» (CAMeL) من نحو 20 ألف كيانٍ تقابل بين الثقافتين العربية والغربية، فوجدت ميلًا إلى الغربية حتى في النماذج العربية والمتعددة اللغات. ووجدت دراسة أخرى أن النموذج يتوافق بقوةٍ مع الثقافة الأمريكية، وأن الطلب بالإنجليزية يُسطّح الفروق الثقافية. والتوطين الحقيقي عملٌ متصل: بياناتٌ عربية منتقاة، وتدريبٌ ومواءمة، ومقاييس محلية تختبر الفهم، ومراجعةٌ لأهل الاختصاص فيما يمسّ الدين والقيم. وقد بدأت جهودٌ سعودية وعربية في ذلك، ويبقى القياس أصدق من الدعاية.

المقال مطولًا طيّ المقال 3 دقائق قراءة

اطلب من نموذجٍ أن يُتمّ جملةً عربية عن طعامٍ أو لباسٍ أو عادةٍ اجتماعية، فقد يختار من الكيانات ما ينتمي إلى ثقافةٍ أخرى وهو يكتب بعربيةٍ سليمة. هذا ما حاول باحثون قياسه بدقة. فهل يكفي أن نعرّب الواجهة لنقول إننا وطّنّا الذكاء الاصطناعي؟

ما تقوله الأبحاث

اختبر ناعوس (Tarek Naous) وزملاؤه ستة عشر نموذجًا في توليد القصص العربية والتعرّف إلى الكيانات وتحليل المشاعر، باستعمال مجموعة «كامل» (CAMeL) التي بنوها: 628 طلبًا طبيعيًّا وأكثر من 20 ألف كيانٍ في ثمانية أنواع، تقابل بين الثقافتين العربية والغربية. وخلصوا إلى أن النماذج، متعددة اللغات والعربية الخالصة، تميل إلى الكيانات المرتبطة بالثقافة الغربية، وإلى صورٍ نمطية وعدم إنصاف ثقافي، وأن بعض المصادر الشائعة في تدريب العربية، كـ«ويكيبيديا»، قد لا تصلح وحدها لبناء نماذج واعية ثقافيًّا ما لم تُعالَج. والتفصيل العام لهذا الباب في مقال «التحيّز الخوارزمي».

وفي دراسةٍ أخرى (كاو وزملاؤه، 2023) وُجد أن «شات جي بي تي» يتوافق توافقًا قويًّا مع الثقافة الأمريكية حين يُسأل في سياقها، ويتكيّف أقل مع غيرها، وأن الطلب بالإنجليزية يقلّل تنوّع الإجابات ويسحبها نحو المعايير الأمريكية. فاللغة وحدها لا تقرر الثقافة، لكن البيانات والمواءمة تفعلان.

لماذا لا تكفي الترجمة؟

لأن الثقافة ليست مفردات. فحين يُسأل النموذج عن مسألةٍ اجتماعية أو أسرية أو دينية، قد يعرض تصوّرًا نشأ في سياقٍ آخر بوصفه الجواب الطبيعي. وليست هذه دعوةً إلى الانغلاق: فالمعرفة العالمية ميراثٌ مشترك نأخذ منه وننتفع، لكننا نطلب أن تفهمنا الأداة قبل أن تُخاطبنا. والمثال الأوضح مسائل الدين: النموذج ليس مفتيًا، والفتوى لأهلها من العلماء المعتبرين، وكل ما يُنتَج في هذا الباب يُراجَع قبل أن يُبنى عليه.

ما الذي يجري عمليًّا؟

وقد بدأت جهود تعالج الأمر من جذوره. فمؤلفو نموذج «علّام» (ALLaM، 2024) يصفون توسيع مفردات النموذج وتدريبه على مزيجٍ من العربية والإنجليزية ومواءمته مع تفضيلات البشر، ويذكرون نتائج متقدمة على اختبارات عربية مثل Arabic MMLU وACVA وArabic Exams؛ وهي نتائج يقدّمها مطوّروه فتُقرأ بحذر حتى تتكرر بتقييمٍ مستقل. وأعلنت «سدايا» (الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي) النموذج في مايو 2024 بالتعاون مع شركة «آي بي إم» على منصتها «واتسونكس». وذكرت صحيفة «جلف نيوز» أن تطبيق «هيوماين شات» (HUMAIN Chat) الذي أُطلق في السعودية عام 2025 يعمل بنموذج «علّام 34B»، وأن شركة «هيوماين» مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة.

كيف نقيس التوطين؟

القياس هو ما يفصل الدعاية عن الحقيقة. وقدّم كوتو (Koto) وزملاؤه عام 2024 اختبار «ArabicMMLU»: نحو 14,575 سؤالًا في 40 مهمة من اختبارات مدرسية من شمال إفريقيا والشام والخليج. واختبروا 35 نموذجًا، فلم يتجاوز أفضل نموذجٍ عربيّ التوجّه 62.3%، وهذه أرقام عام 2024 قد تغيّرت بعدها. وفائدة الاختبار أن أسئلته من امتحاناتٍ مدرسية عربية، لا من ترجمةٍ لاختباراتٍ أجنبية.

خمسة أعمال لا تنتهي

  1. بياناتٌ عربية منتقاة: تراثٌ ومعاصر، منظَّفة، موثَّقة المصدر، محفوظة الحقوق.
  2. مقاييس محلية تختبر الفهم الثقافي لا الترجمة وحدها.
  3. مراجعةٌ لأهل الاختصاص في مواضع الدين والقيم، قبل الإطلاق وبعده.
  4. تحديثٌ دوري، فاللغة والأسئلة تتجدد.
  5. شفافية فيما دُرّب عليه النموذج وما يعجز عنه، ليعرف المستخدم متى يتحقق بنفسه.

وللسيادة المعرفية والمنظور الأوسع انظر مقال «الذكاء الاصطناعي العربي». أما هنا فالمعيار أبسط: هل تفهم الأداةُ ما نقصده، لا ما نقوله فحسب؟ فإن أحسنّا الأخذ بالأسباب وفّقنا الله إلى ما يليق بلغتنا وقيمنا.

المراجع

  1. T. Naous, M. J. Ryan, A. Ritter, W. Xu, Having Beer after Prayer? Measuring Cultural Bias in Large Language Models, ACL (2024); arXiv:2305.14456
  2. Y. Cao et al., Assessing Cross-Cultural Alignment between ChatGPT and Human Societies: An Empirical Study, arXiv:2303.17466 (2023)
  3. F. Koto et al., ArabicMMLU: Assessing Massive Multitask Language Understanding in Arabic, arXiv:2402.12840 (2024)
  4. M. S. Bari et al., ALLaM: Large Language Models for Arabic and English, arXiv:2407.15390 (2024)
  5. IBM Middle East Newsroom, SDAIA launches ALLaM on watsonx (21 May 2024)
  6. Gulf News, Saudi Arabia launches Humain Chat, its most advanced Arabic AI (2025)