الأمن والخصوصية

هجماتٌ سيبرانية تقودها الخوارزميات: من يحاسَب إذا غاب المهاجم؟

في خريف 2025 كشفت شركة أنثروبيك حملة تجسس تولّت الآلة معظم خطواتها. ما الذي يتغيّر حين يسبق الهجوم قرارَ الإنسان؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

خلفية زرقاء لدارة إلكترونية دقيقة

كبسولة نانودقيقة واحدة

لم تعد الهجمات السيبرانية المؤتمتة فرضيةً نظرية. ففي نوفمبر 2025 أعلنت شركة أنثروبيك (Anthropic) أنها أوقفت حملة تجسس نسبتها بثقة عالية إلى جهة صينية مدعومة من دولة، وقدّرت أنّ الذكاء الاصطناعي أنجز فيها 80 إلى 90 في المئة من العمل، وأنّ البشر تدخّلوا في أربع إلى ست نقاط قرار فقط. غير أنّ الأداة أخطأت أحيانًا واختلقت معلومات. والخلاصة أنّ الخطر الأقرب ليس آلةً تشنّ حربًا وحدها، بل هجومٌ أسرع من القرار البشري وأصعب نسبةً إلى فاعله؛ ولذلك تبقى الرقابة الإنسانية عند القرارات الحاسمة خطَّ الدفاع الأول.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في منتصف سبتمبر 2025 رصدت أنثروبيك نشاطًا مريبًا على منصّتها، وانتهى تحقيقها إلى أنّ مهاجمين استخدموا أداتها البرمجية «Claude Code» لمحاولة التسلّل إلى نحو ثلاثين جهة حول العالم: شركات تقنية ومؤسسات مالية ومصانع كيميائية وجهات حكومية. ونجحت المحاولة في عددٍ قليل منها فحسب.

واقعة لا فرضية

نسبت الشركة الحملة بثقة عالية إلى جهة صينية مدعومة من دولة. وقدّرت أنّ الذكاء الاصطناعي نفّذ 80 إلى 90 في المئة من العمل، وأنّ الإنسان احتاج إلى التدخّل في أربع إلى ست نقاط قرار حاسمة لكل حملة.

ويلزم هنا تحفّظان. الأول أنّ الرقم تقدير الشركة نفسها وإعلانٌ صادر عنها، فيُقرأ بهذا الاعتبار. والثاني أنّ الأداة كانت تهلوس أحيانًا، فتزعم أنها استخرجت أسرارًا وهي معلومات متاحة للعموم، أو تختلق بيانات دخول؛ وتصف الشركة ذلك بأنه عقبةٌ أمام الاستقلال الكامل. فالصورة الأدق: عاملٌ آلي سريع يعمل تحت توجيه بشري متقطّع، لا قائدٌ آلي يشنّ حربًا بمفرده.

السرعة سلاحٌ ذو حدّين

في أكتوبر 2024 أعلن باحثو غوغل أنّ وكيلًا ذكيًّا اكتشف ثغرة في قاعدة البيانات المفتوحة «إس كيو لايت» (SQLite)، هي تدفّق سالب في المكدّس (stack buffer underflow) يمكن استغلاله، وأُصلحت في اليوم نفسه قبل أن تصل إلى أي إصدار رسمي. ورجّح الفريق أنها أول حالة معلنة من نوعها، لكنه وصف النتائج بأنها «تجريبية للغاية»، وقال إنّ أداة اختبار مخصَّصة للهدف نفسه قد تكون في الوقت الراهن بالفاعلية ذاتها.

وفي تحدّي الذكاء الاصطناعي السيبراني الذي نظّمته وكالة «داربا» (DARPA) عام 2025، وجدت أنظمة الفرق 54 ثغرة اصطناعية من أصل 63 وأصلحت 43 منها، واكتشفت 18 ثغرة حقيقية في برمجيات مفتوحة المصدر. وبلغ متوسط زمن الإصلاح 45 دقيقة، ومتوسط كلفة المهمة نحو 152 دولارًا.

المغزى أنّ القدرة نفسها تخدم المدافع والمهاجم. ومن يحسن استعمالها أسرع، ويرقّع قبل أن يُستغلّ الخلل، هو الذي يرجّح الكفّة.

حين يضيع العنوان

يرى توماس رِد (Thomas Rid) وبن بيوكانن (Ben Buchanan) أنّ نسبة الهجوم إلى فاعله «ما تصنعه الدول منه»، أي عمليةٌ تجمع الأدلة التقنية والاعتبارات السياسية، لا اختبارًا يصدر جوابه من مختبر. وحتى «ستوكسنت» (Stuxnet)، التي اكتُشفت في يوليو 2010، حذّر تقرير شركة سيمانتك عنها من استنتاجات النسبة، لأنّ المهاجم قد يزرع قرائن تورّط غيره. وكان نحو 60 في المئة من الأجهزة المصابة في إيران.

ولا يوجد رقمٌ يقيس أثر الذكاء الاصطناعي في صعوبة النسبة، والقول إنه يزيدها استنتاجٌ مرجّح لا معطًى موثّق: فكلما كثرت الحوادث وتنوّعت أساليبها ثقل عبء المحقّقين. ويُضعف ذلك الردع، إذ يقوم على معرفة من يُعاقَب.

درسٌ من سوق المال

حين تتفاعل أنظمة آلية بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المتابعة قد تنفلت الأمور. ففي 6 مايو 2010 بدأ مستثمر مؤسسي بيع 75,000 عقد آجل (قيمتها نحو 4.1 مليار دولار) بخوارزمية تستهدف 9 في المئة من حجم التداول «دون اعتبار للسعر أو الزمن». فانخفض المؤشر نحو 5 في المئة في قرابة أربع دقائق ونصف، ثم تعافى بعد توقف آلي قصير. وليس هذا هجومًا سيبرانيًّا، لكنه مثالٌ على أنّ الخوارزمية المنفلتة السرعة قد تسبق مراجعة الإنسان. ولا يُجزم بأنّ الحروب الآلية ستنتهي إلى هذا المصير، إنما يُستفاد من المثال في تصميم الكوابح.

ما يُفعل

  • أبقِ قرارًا بشريًّا عند العتبات التي لا رجعة بعدها، كقطع خدمة حيوية أو ردٍّ على هجوم.
  • ابنِ للتعافي لا للمنع وحده؛ فالنظام الذي يتعافى بسرعة أنفع من وعدٍ بألّا يُخترق.
  • اجعل الكشف والترقيع بسرعة المهاجم، بأدوات آلية تحت إشراف بشري.
  • وثّق الحوادث وشاركها مع الجهات المختصة، فالتعلّم الجماعي يضيّق الثغرات.

وللتفاصيل الدفاعية العامة والتزييف العميق انظر مقال «الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني: مفتاحٌ واحد في يدَين».

أن نأخذ بالأسباب فنُحكم الرقابة ونُدرّب الكوادر ثم نتوكّل على الله، هو الميزان بين الاستهانة والهلع. والسؤال الجدير بالطرح ليس «هل تستطيع الخوارزمية أن تحارب؟»، بل «من يملك أن يوقفها، ومتى؟».

المراجع

  1. Anthropic, report on disrupting an AI-orchestrated cyber espionage campaign (13 November 2025)
  2. Google Project Zero, From Naptime to Big Sleep (October 2024)
  3. DARPA, AI Cyber Challenge (AIxCC) final results (2025)
  4. T. Rid & B. Buchanan, Attributing Cyber Attacks, Journal of Strategic Studies 39(1): 4–37 (2015)
  5. Symantec Security Response, W32.Stuxnet Dossier
  6. U.S. SEC & CFTC staff, report on the market events of May 6, 2010 (2010)