الأمن والخصوصية

حين تقرّر الآلة من يموت: أين يقف الإنسان من القرار؟

الخطر في الأسلحة ذاتية التشغيل ليس تمرّد الآلة، بل أن نسلّمها طوعًا ما لا ينبغي أن يُسلَّم: قرار إزهاق الروح.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شخص يعمل على حاسوب محمول عليه رموز الأمن السيبراني

كبسولة نانودقيقة واحدة

الأسلحة ذاتية التشغيل منظوماتٌ تختار الهدف وتهاجمه بعد تفعيلها دون تدخّل بشريّ في كل هجوم. ولا يكمن خطرها في أن تتمرّد، بل في أن نفوّضها قرار الحياة والموت بدافع السرعة، فتضيع المسؤولية بين مبرمجٍ وقائدٍ وشركة. وفي ديسمبر 2025 أيّدت 164 دولة قرارًا للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى مقاربة متعددة الأطراف، بينما أوصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحظر المنظومات غير القابلة للتنبّؤ وتلك التي تستهدف البشر، وتقييد ما سواها. والمسار ما زال مفتوحًا، والأمر الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا هو إنسانٌ يتحمّل المسؤولية الفعلية عن كل قرار قتل.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في الأول من ديسمبر 2025 صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرارٍ بشأن «منظومات الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل»، فأيّدته 164 دولة وعارضته 6 وامتنعت 7. قلّما تجتمع الدول على شيءٍ بهذا القدر، وهذا وحده يدلّ على أن القلق لم يعد حبيس المختبرات وأفلام الخيال العلمي.

ما الذي يُقصد بالسلاح ذاتي التشغيل؟

الفكرة أبسط مما توحي به العناوين: منظومةٌ تُفعَّل بعد أن يحدّد الإنسان لها إطارًا عامًّا، ثم تختار هدفها وتهاجمه بنفسها دون أن يأمرها إنسانٌ بكل ضربة. ويتحدث الباحثون عن درجات من الاستقلالية؛ فقد يبقى الإنسان هو الذي يصوّب ويأذن، أو يراقب ويملك حقّ الاعتراض، أو يخرج من القرار اللحظي كليًّا. والحدود بين هذه الدرجات ليست حادّة، وهنا مكمن الصعوبة.

الخطر الذي لا تُظهره الأفلام

لا يحتاج الأمر إلى آلةٍ واعية تحقد على البشر. يكفي أن تُسند إلى منظومةٍ مهمةٌ في ظرفٍ ملتبس فتخطئ كما تخطئ الأنظمة الإحصائية: تصنّف خطأً، أو تتعامل مع حالةٍ لم تُدرَّب عليها. وفي الحرب تُدفع الأنظمة نحو التفويض لأن السرعة ميزة، ومن يتأنّى لاستشارة إنسانٍ قد يظنّ أنه خسر أمام من لم يتأنَّ. وبذلك قد يجد الجميع أنفسهم مدفوعين إلى تقليص دور الإنسان وإن لم يرغب أحدٌ في ذلك. هذا تحليلٌ لحوافز، لا حكمٌ بما سيقع.

ثم تأتي مشكلة المسؤولية. إذا أصابت المنظومة من لا ينبغي أن يُصاب، فمن يُسأل؟ المبرمج الذي كتب الشيفرة قبل سنوات؟ القائد الذي شغّلها؟ الشركة الصانعة؟ بُني القانون الدولي الإنساني على أن ثمة فاعلًا يُسأل، وإذا غاب ضاعت العدالة بين الجهات. وتقرّر شريعتنا عِظَم حرمة الدم وحماية من لا يقاتل، وأن القتل فعلٌ يُسأل عنه فاعله؛ ولا يستقيم هذا مع فعلٍ لا يحمل مسؤوليته أحد.

ماذا توصي به اللجنة الدولية للصليب الأحمر؟

في موقفها الصادر في 12 مايو 2021 دعت اللجنة الدول إلى وضع قواعد قانونية ملزمة جديدة تقوم على ثلاثة أركان:

  • حظر المنظومات غير القابلة للتنبّؤ: أي التي لا يمكن فهم آثارها والتنبّؤ بها وتفسيرها بقدرٍ كافٍ، لما يترتّب عليها من آثارٍ عشوائية.
  • حظر المنظومات التي تستهدف البشر: لاعتباراتٍ أخلاقية ولحماية المدنيين والعاجزين عن القتال.
  • تقييد ما سوى ذلك: بتحديد أنواع الأهداف ومدة الاستعمال ونطاقه الجغرافي، وبشرط رقابة بشرية فعّالة وإمكان التدخل والإيقاف في الوقت المناسب.

نلاحظ أن الركن الأول يربط الأخلاق بقابلية التفسير: ما لا يمكن تفسيره يعسر ضبطه ومساءلة أصحابه (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي المسؤول: أربعة مبادئ للحوكمة والثقة»).

أين وصل المسار الدولي؟

يعالج الملف اليوم في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية (CCW) في جنيف، حيث يعمل فريق خبراء حكوميين على نصٍّ متداول. وفي سبتمبر 2025 أعلنت 42 دولة في بيانٍ مشترك استعدادها للانتقال إلى التفاوض على صكٍّ يستند إلى هذا النص. وجاء قرار الجمعية العامة 80/57 ليحثّ الأطراف على إكمال عناصر الصكّ استعدادًا لمفاوضاتٍ لاحقة.

وللإنصاف، لم يضع القرار موعدًا ملزمًا للتفاوض، ولم يتبنَّ بنفسه مقاربة «المستويين» (حظرٌ وتنظيم) التي دعا إليها الأمين العام للأمم المتحدة، بل اكتفى بالإشارة إليها في ديباجته. وقد جُدولت لعام 2026 جلستان للفريق (2–6 مارس، و31 أغسطس–4 سبتمبر) ثم المؤتمر الاستعراضي السابع للاتفاقية في 16–20 نوفمبر. أما ما سينتهي إليه ذلك فلا يعلمه إلا الله، ولا يصحّ الجزم به.

ما يمكن أن نتمسّك به

تحت الخلافات الفنية والسياسية معيارٌ يمكن أن يتفق عليه الناس: رقابةٌ بشرية فعلية على كل قرارٍ يُزهق فيه الروح، تتيح التدخل والإيقاف، ولا تكون ختمًا شكليًّا. ومعها شفافيةٌ تسمح بمراجعة قرارات المنظومة وتعليلها، وحوكمةٌ تُتفق قبل الانتشار لا بعده. وحريٌّ بمن يملك هذه التقنية ألّا يكتفي بسؤال «ماذا تستطيع هذه الأسلحة؟»، بل يسأل أيضًا: ما الذي لا ينبغي لها أن تفعله مهما استطاعت؟

وفي ذلك دعوةٌ للجامعات ومراكز الأبحاث في بلادنا أن تشارك في صياغة القواعد لا أن تتلقّاها جاهزة، وأن يجتمع في النقاش مهندسٌ وقانوني وفقيه وطبيب. فالتقنية التي نصنعها أمانةٌ، وأثقل ما يُحمَّل الإنسان من أمانة دماء الناس.

المراجع

  1. United Nations General Assembly, Resolution A/RES/80/57, Lethal autonomous weapons systems (adopted 1 December 2025)
  2. UN Project, Vote record on A/RES/80/57 (164 in favour, 6 against, 7 abstentions)
  3. International Committee of the Red Cross, ICRC Position on Autonomous Weapon Systems (12 May 2021)
  4. Reaching Critical Will (WILPF), CCW Report, Vol. 13, No. 5 (2025)