القطاعات والتطبيقات

هل يختصر الذكاء الاصطناعي رحلة الدواء؟ ما تحقّق وما لم يتحقق

صناعة الدواء تزداد كلفةً وبطئًا مع الزمن، والخوارزمية تَعِد بقلب المعادلة. فأين صدق الوعد، وأين حدّه؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

شابان يعملان على حاسوبين محمولين

كبسولة نانودقيقة واحدة

بخلاف الرقائق التي تزداد قدرةً ورخصًا، تراجع عدد الأدوية المعتمدة لكل مليار دولار من البحث إلى النصف تقريبًا كل تسع سنوات منذ 1950، بحسب دراسة نُشرت عام 2012. ويَعِد الذكاء الاصطناعي بالتخفيف من هذا العبء؛ فقد نال مبتكرو «ألفافولد» جائزة نوبل في الكيمياء 2024 لتنبّؤهم ببنية البروتين، وبدأت أولى الأدوية التي رُشّح هدفها وصُمّم جزيئها بالآلة تُختبر على المرضى. غير أن هذه الخطوات تمسّ بداية الرحلة، أما التجارب البشرية فلا تُغني عنها خوارزمية. ومن شروط العدل أن تمثّل البيانات الشعوب كلها، لا جزءًا منها فحسب.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

لو سألتَ مهندس رقائق عن أحوال صناعته لقال إن القدرة تتضاعف والكلفة تنخفض. أما في صناعة الدواء فالحال معكوسة، حتى إن أصحاب دراسةٍ نُشرت عام 2012 في مجلة «Nature Reviews Drug Discovery» سمّوا الظاهرة «قانون إيرووم» (Eroom's law)، أي «قانون مور» (Moore) مقلوبًا. قدّر هؤلاء الباحثون، بقيادة جاك سكانيل (Jack Scannell)، أن عدد الأدوية الجديدة المعتمدة لكل مليار دولار من الإنفاق على البحث تراجع إلى النصف تقريبًا كل تسع سنوات منذ 1950، بعد تعديل أثر التضخم.

كم يكلّف الدواء حقًّا؟

تتباين الأرقام بتباين من يحسبها. فدراسةٌ نشرتها «JAMA» في مارس 2020 بقيادة ووترز (O. J. Wouters) اعتمدت على تقارير مالية عامة، وقدّرت الكلفة الوسيطة للدواء المعتمد في الولايات المتحدة بين 2009 و2018 بنحو 985 مليون دولار، ومتوسطها 1.3 مليار، في حين تحدثت تقديراتٌ أقدم من الصناعة نفسها عن متوسط يصل إلى 2.8 مليار. وأقرّ الباحثون بحدود عملهم: انتقائية ما تُفصح عنه الشركات، وغلبة بعض الأمراض في العيّنة. فلا يُؤخذ رقمٌ واحد حقيقةً مطلقة، لكن الاتجاه واضح: الكلفة عالية، ومعظمها ثمن إخفاقات تُحمَّل على الأدوية الناجحة.

ما الذي أنجزه «ألفافولد» فعلًا؟

شكل البروتين يحدّد وظيفته، ومعرفة الشكل تُمكّن من تصوّر كيف يُعطَّل أو يُنشَّط. وقد ظلّ تنبّؤ الشكل من تسلسل الأحماض الأمينية مشكلةً عسيرة عقودًا. وفي 9 أكتوبر 2024 منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء مناصفةً: نصفها لديفيد بيكر (David Baker) عن التصميم الحاسوبي للبروتينات، ونصفها لديميس هسابيس (Demis Hassabis) وجون جامبر (John Jumper) عن تنبّؤ بنية البروتين.

وتفيد التقارير بأن فريق «ألفافولد» تنبّأ ببنى تكاد تشمل نحو 200 مليون بروتين معروف، بدقةٍ تقارب التبلور بالأشعة السينية، أدقّ الطرق المخبرية، وتتيح قاعدة «AlphaFold DB» التي تديرها «ديب مايند» (Google DeepMind) بالشراكة مع معهد المعلوماتية الحيوية الأوروبي (EMBL-EBI) هذه البنى للباحثين. إنجازٌ يُوفّر على المختبرات سنوات من العمل. غير أن بنية البروتين ليست دواءً: بينها وبين المريض جزيءٌ يجب تصميمه، وسلامةٌ يجب إثباتها، وفعاليةٌ يجب قياسها.

أول الأدوية «المصمَّمة بالآلة» على محكّ المرضى

أوضح اختبارٍ حتى الآن هو دواء «رينتوسيرتيب» (rentosertib) لعلاج التليّف الرئوي مجهول السبب، من تطوير شركة «إنسيليكو ميديسين» (Insilico Medicine). فقد نشرت «Nature Medicine» في 3 يونيو 2025 نتائج المرحلة 2أ، وقد تكون أول نتيجة محكّمة لجزيءٍ ولّد الذكاء الاصطناعي هدفه وبنيته معًا. شملت التجربة 71 مريضًا عشوائيًّا مزدوج التعمية لمدة 12 أسبوعًا. وفي من تناول 60 ملغ يوميًّا ارتفعت وظيفة الرئة (السعة الحيوية القسرية) بمتوسط 98.4 مل، مقابل انخفاض 20.3 مل مع الدواء الوهمي.

لكن قراءة الأرقام تتطلّب تأنّيًا: كانت الذراع عالية الجرعة 18 مريضًا فقط، والمتابعة قصيرة، والمشاركون كلهم من الصين وعلى تقاربٍ في الأصل، وتوقف سبعة مرضى عن العلاج بسبب إصابةٍ أو خللٍ في الكبد. ووصف المؤلفون النتائج بأنها مشجعة لمزيدٍ من الدراسة، لا دليلًا على النجاح. وهذا هو الموقف السليم: بشارةٌ أولى لا حكمٌ نهائي.

من يُمثَّل في البيانات؟

الخوارزمية لا تعرف إلا ما أُطعمت به. وقد بيّنت مراجعةٌ في «Nature Medicine» (2022) أن حصة الأصل الأوروبي من الدراسات الجينومية بلغت 86.3% حتى يونيو 2021، مقابل 1.1% للأفارقة و0.8% لجنوب آسيا، ولم تورد المراجعة أرقامًا للعرب. والخشية أن تُتقن النماذج التنبّؤ لمن تتوافر بياناتهم وتُخفق مع غيرهم، فيتسع التفاوت الصحي بدل أن يضيق.

ومن هذه الزاوية يكتسب «برنامج الجينوم السعودي»، أحد مشاريع الرؤية، أهمية خاصة؛ فهو يهدف إلى إنشاء أول خريطة جينية للمجتمع السعودي وتطوير الطب الشخصي وبرامج الفحص قبل الزواج وللمواليد. أما عدد الجينومات المنجزة فلم أجد له رقمًا في المصدر الرسمي، فلا أذكره. وللبيانات الجينية حساسيةٌ عالية، ولذا تُراجَع ضوابط حمايتها (انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي»).

ما يُفعل

  • بياناتٌ محلية نظيفة وموثوقة تُجمع بموافقةٍ واعية وتُصان.
  • كفاءاتٌ تجمع علم الأحياء وعلم الحاسوب، فالنموذج لا يغني عن عالِم يفهم ما يقرأ.
  • قابلية تفسير القرار: لا يكفي أن يقول النظام «هذا الجزيء سامّ»، بل يُبيّن السبب.
  • شراكةٌ بين الجامعات والشركات والجهات الرقابية تحفظ سلامة المريض.

والأخذ بالأسباب من تمام التوكّل، والدواء سببٌ من الأسباب، والشافي هو الله. فإن اختصرت الخوارزمية طريق العلاج على المحتاجين إليه، فهي نعمةٌ تستوجب الشكر وحسن الاستعمال، وتبقى العبرة بأن نصل بالدواء إلى الجميع، لا أن نصل بسرعةٍ إلى من تتوافر بياناتهم فحسب.

المراجع

  1. J. W. Scannell, A. Blanckley, H. Boldon, B. Warrington, Diagnosing the decline in pharmaceutical R&D efficiency, Nature Reviews Drug Discovery 11 (2012)
  2. London School of Hygiene & Tropical Medicine, Average cost of developing a new drug could be up to $1.5 billion less than pharmaceutical industry claims (on Wouters, McKee, Luyten, JAMA, 4 March 2020)
  3. Science News, Work on protein structure and design wins the 2024 chemistry Nobel (9 October 2024)
  4. Drug Discovery Trends, Insilico's AI-designed rentosertib shows promise in first Phase 2a trial results (on Nature Medicine, 3 June 2025)
  5. S. Fatumo et al., Diversity in Genomic Studies: A Roadmap to Address the Imbalance (Nature Medicine, 2022; author manuscript on PubMed Central)
  6. Vision 2030, Saudi Genome Program