القطاعات والتطبيقات

البيانات أم الحدس؟ الذكاء الاصطناعي في الملعب

كاميرات تتتبّع لاعبًا في كل جزءٍ من الثانية، ونموذج يقدّر قيمة كل تسديدة. فمن يملك كلمة الفصل: المدرّب أم الخوارزمية؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

بطريق واقف على قطعة جليد طافية في بحر هادئ

كبسولة نانودقيقة واحدة

دخل الذكاء الاصطناعي الملاعب من بابين: القياس والتحكيم. ففي كأس العالم 2022 استعانت «فيفا» بـ12 كاميرا تتبّع تلتقط حتى 29 نقطة في جسد كل لاعب 50 مرة في الثانية لتنبيه حكّام الفيديو إلى التسلّل، وبقي القرار للحكم البشري. وتقدّر نماذج «الأهداف المتوقعة» احتمال تحوّل كل تسديدة إلى هدف، فتفرّق بين الحظ والجودة. أما التنبّؤ بالإصابات فواعدٌ لكنه غير ناضج: مراجعة منهجية لـ11 دراسة وجدت أداءً متفاوتًا وعيّنات صغيرة. والحكمة في شراكةٍ تُبقي الإنسان صاحب القرار، وتصون خصوصية اللاعب، وتبني كفاءات تحسن السؤال قبل الاعتماد على الجواب.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

في كأس العالم 2022 في قطر عُلِّقت تحت سقف الملعب اثنتا عشرة كاميرا تتبّع مخصّصة، تلتقط حتى 29 نقطة في جسد كل لاعب، 50 مرة في كل ثانية، وفي الكرة نفسها مستشعرٌ يرسل بياناته 500 مرة في الثانية. وعندما يستلم مهاجمٌ الكرة من زميله وهو في موضع تسلّل، ينبّه النظام حكّام الفيديو خلال ثوانٍ. ومع ذلك يبقى القرار لبشر: يؤكّده الحكم في الملعب، وفي الحالات الدقيقة، كالتأثير على المنافس، يحكم هو بنفسه. هذا المشهد يلخّص ما يجري: آلةٌ تُبصر أدقّ، وإنسانٌ يُمسك بالقرار.

ماذا تقيس الأرقام؟

الإحصاء ليس جديدًا على الرياضة. ولعلّ أشهر محطّاته كتاب «مَني بول» (Moneyball، 2003) لمايكل لويس (Michael Lewis) عن فريق أوكلاند للبيسبول، الذي تنافس عام 2002 بنحو 44 مليون دولار للرواتب، بينما تجاوزت رواتب نيويورك يانكيز 125 مليونًا، لأنه بحث عن لاعبين تقلّل الأسواق من قيمتهم عبر مقاييس مثل نسبة الوصول إلى القاعدة. وهذا كان تحليلًا إحصائيًّا متقدمًا لا ذكاءً اصطناعيًّا بالمعنى الدقيق، لكنه فتح الباب للتفكير بالأرقام.

اليوم تُدرَّب النماذج على تتبّع المواقع ومسارات الكرة لتنتج مقاييس مثل «الأهداف المتوقعة» (xG)، وهو احتمال أن تتحوّل تسديدةٌ إلى هدف بحسب موقعها وزاويتها وطريقة الإعداد لها، وفي بعض النماذج ضغط المدافعين وموضع الحارس. فتُفرّق بين مهاجمٍ سجّل من فرصةٍ ضعيفة بالحظ وآخر يصنع فرصًا عالية القيمة باستمرار.

غير أن لهذا المقياس حدودًا معلنة: فهو يعكس أداء لاعبٍ «متوسط» في الظرف نفسه، لا مهارة اللاعب المحدّد، وتختلف قيمته للتسديدة نفسها من نموذجٍ إلى آخر. فهو أداة وصفٍ لا حكمٌ نهائي.

التنبّؤ بالإصابات: واعدٌ لكنه غير ناضج

يبدو تطبيقًا لا خلاف على نفعه: أجهزة قابلة للارتداء ترصد حِمل التدريب والحركة، ونموذجٌ ينبّه إلى إجهادٍ قد يسبق التمزق. لكن الدليل العلمي أكثر تواضعًا مما توحي به الدعاية. فقد وجدت مراجعةٌ منهجية (2021) من بين 249 دراسة 11 دراسةً فقط مستوفية للشروط، تراوحت عيّناتها بين 25 و363 مشاركًا، وتفاوتت دقة النماذج من نتيجةٍ شبه عشوائية (دقة 52%) إلى نتيجةٍ جيدة (AUC = 0.87). وخلص المؤلفون إلى أن النماذج قادرة على تحديد اللاعبين الأعلى خطرًا وعوامل الخطر الأهم، وأن جودة الدراسات تحتاج تحسينًا وأن تفسير النماذج يستحق عناية أكبر.

وهنا يتّضح سؤال الخصوصية: من يملك بيانات جسد اللاعب؟ وإلى أي حدّ يحق للنادي أن يعرف عنه ما لا يعرفه هو؟ ويثور تساؤلٌ مشروع، لا واقعة موثّقة: ماذا لو استُعملت درجة خطر الإصابة المتنبَّأ بها لاستبعاد لاعبٍ من صفقة أو عقد قبل أن يمرض أصلًا؟ ومن ثمّ ينبغي أن تُحدَّد مسبقًا الجهة المالكة للبيانات والغاية المسموحة منها، وأن يُعطي اللاعب موافقةً واعية.

حدّ النموذج: يتعلّم من الماضي

النموذج يتعلّم من سجلّات ما جرى، فيميل إلى ما نجح سابقًا. وهذا استنتاجٌ منطقي لا نتيجة إحصائية: فإذا اعتمدت الأندية كلها مصادر ونماذج متشابهة، فقد تتشابه قراراتها، ويضيق مجال التنوع التكتيكي. والإبداع الذي يكسر التوقّع هو بتعريفه ما لا يجده النموذج في أرشيفه. فالحكمة أن يُترك للحدس البشري سلطانه في الغموض، وللآلة سلطانها في النمط.

ما يعنيه ذلك لنا

في 11 ديسمبر 2024 أقرّ مؤتمر «فيفا» الاستثنائي في الرياض استضافة المملكة كأس العالم 2034. وسيتطلّب هذا الحدث أكثر من الملاعب: عقولًا تحليلية محلية تعرف كيف تسأل. فالأدوات متاحة لمن يشتريها، والفارق الحقيقي في جودة الأسئلة وحسن تأويل الأجوبة، وفي بناء فريقٍ يفهم منطق الأداة وحدودها قبل أن يشتريها.

قواعد رشيدة

  • الخوارزمية معينةٌ للقرار لا بديلٌ عنه.
  • تنويع مصادر البيانات وطرائق النمذجة.
  • صون كرامة اللاعب وبياناته الحيوية، فلا تُباع ولا تُستعمل دون رضاه.
  • الاستثمار في فهم الأداة جنبًا إلى جنب مع شرائها.

وحين يهتزّ المدرّج لهدفٍ في الرمق الأخير، فليس لأن احتماله كان مرتفعًا، بل لأن بشرًا فرحوا بما صنعه بشرٌ مثلهم. وخير ما تفعله التقنية أن تكشف لنا جمال اللعبة دون أن تدّعي أنها أحاطت به.

المراجع

  1. FIFA, Semi-automated offside technology (FIFA World Cup Qatar 2022 innovation page)
  2. FBref (Sports Reference), xG Explained: Expected Goals model explained (Opta data)
  3. R. Van Eetvelde et al., Machine learning methods in sport injury prediction and prevention: a systematic review, Journal of Experimental Orthopaedics 8 (2021)
  4. M. Lewis, Moneyball: The Art of Winning an Unfair Game, W. W. Norton (2003), summary page
  5. Al Jazeera, FIFA names Saudi Arabia as World Cup 2034 host (11 December 2024)