القطاعات والتطبيقات

هل تُطعم الخوارزمية العالم؟ الذكاء الاصطناعي في الزراعة

نموذجٌ يشخّص أمراض النبات بدقة 99%، ثم تهبط دقته إلى 31% في حقلٍ حقيقي. في هذه المفارقة درسُ الزراعة الذكية كله.

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصوّر يمسك كاميرا ويتأمل في العدسة

كبسولة نانودقيقة واحدة

قدّرت الأمم المتحدة أن نحو 673 مليون إنسان (8.2%) عانوا الجوع عام 2024، وتقدّر الفاو، استنادًا إلى توقعات الأمم المتحدة السكانية، أن يبلغ سكان العالم نحو 9.15 مليار بحلول 2050 وأن يزيد الإنتاج الزراعي نحو 60% عن مستوى 2005–2007. ويقدّم الذكاء الاصطناعي أدواتٍ نافعة: تنبّؤٌ بالمحاصيل من صور الأقمار الصناعية، وتشخيصٌ مبكر لأمراض النبات. لكنّ الأدوات تتعثّر حين تخرج من ظروف تدريبها، والجوع ليس حسابًا يُحلّ بخوارزمية وحدها، بل شأنُ توزيعٍ وسياسات وفقدٍ في السلسلة. وتنفع المنطقة الجافة نماذج تُعايَر على بيئتها، وبياناتٌ يملكها المزارع نفسه.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

دُرّب نموذجٌ على 54,306 صورة لأوراق نباتات سليمة ومريضة، تغطي 14 محصولًا و26 مرضًا، فبلغت دقته 99.35% على صورٍ محجوزة للاختبار. ثم جُرّب على 121 صورة من مصادر أخرى التُقطت في ظروف مختلفة، فهبطت الدقة إلى 31.4% (التخمين العشوائي يعطي نحو 2.6%). هذه الدراسة التي أجراها باحثون من معهد EPFL السويسري وجامعة ولاية بنسلفانيا (2016) هي أصدق ما يُفتتح به الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الزراعة: الأداة قوية في ظروفها، وتحتاج إلى امتحانٍ في الحقل.

مشكلة إنتاج أم مشكلة توزيع؟

يُقدَّر أن نحو 673 مليون إنسان (8.2% من سكان العالم) عانوا الجوع في 2024، بانخفاضٍ عن 8.5% في 2023، بحسب تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025». غير أن الصورة تتباين: ففي أفريقيا ارتفعت النسبة فتجاوزت 20%، وفي غرب آسيا بلغت نحو 12.7%.

وتقدّر الفاو في مراجعة 2012 أن يبلغ سكان العالم نحو 9.15 مليار بحلول 2050، وأن يزيد الإنتاج والاستهلاك الزراعي نحو 60% على مستواهما في 2005–2007. وهذه توقعاتٌ تتوقف على افتراضات، لا أقدارٌ مقضية.

أما الفقد فمعلوم: قدّرت الفاو أن نحو 13.3% من الغذاء ضاع في 2023 بين الإنتاج وما قبل التجزئة، وهذا يعني أن جزءًا من الحل أن نُنقص الضياع لا أن نزيد الزرع فقط. وبهذا يظهر موضع الذكاء الاصطناعي الصحيح: هو أداة تحسين، لا بديلٌ عن الإنصاف في التوزيع.

ماذا تفعل الخوارزمية في الحقل؟

الأقمار الصناعية. نشر باحثون في جامعة ستانفورد عام 2017 طريقةً تقدّر غلّة فول الصويا على مستوى المقاطعات الأمريكية انطلاقًا من بيانات استشعار عن بُعد متاحة للعموم، وذكروا أنها تتفوّق على الطرق المنافسة. ويعني هذا إمكانًا لتقدير المحصول قبل الحصاد حيث تقلّ المسوح الميدانية، ولا يعني بالضرورة أن النتائج تنتقل كما هي إلى كل بلد ومحصول.

التشخيص المبكر. بدلًا من انتظار ظهور الآفة، تحاول النماذج رصد إجهاد النبات أو علاماته الأولى من صورة. وقد رأينا في فاتحة المقال أن دقة المختبر لا تضمن دقة الحقل، فتحتاج التطبيقات إلى معايرة على صور محلية وإلى إشراف مرشدٍ زراعي.

الريّ. يمكن توجيه الماء بحسب حاجة كل قطعة، لكنّ الوفر يُقاس في كل مزرعة على حدة، فلا يصحّ تعميم نسبةٍ واحدة.

لمن تكون الكفاءة؟

الخشية المشروعة أن تذهب الفائدة أولًا إلى المزارع الكبرى المجهّزة بالمال والبنية الرقمية، وأن يتحول الفلاح الصغير من صاحب معرفة بأرضه إلى مستأجرٍ لخوارزميةٍ لا يعرف منطقها، إذا تركّزت بيانات التربة والمناخ عند وسيطٍ تجاري. هذا تقييمٌ للمخاطر لا وصفٌ لواقعٍ موثّق، لكنه يبرّر أن نسأل قبل الشراء: من يملك البيانات؟ وهل يستطيع المزارع أن يفهم لماذا أوصى النظام بما أوصى؟ (انظر مقال «التحيّز الخوارزمي» عن أثر غياب فئةٍ من البيانات).

وحتى أدقّ الخوارزميات لا تعالج خللًا في الأسواق والسياسات: فتحسين سلسلة التوريد قد ينقل الطعام من الحقل إلى الرفّ بكفاءة، لكنه لا يجيب عن سبب بقاء من يحتاجه بلا قدرة على شرائه.

البيئة الجافة: حالتنا الخاصة

تبيّن بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة (الكتاب الإحصائي 2019، كما أوردها موقع «فنك» Fanack) أن نحو 72% من الطلب على المياه في المملكة ذهب إلى الزراعة، وتفيد دراسةٌ نقل عنها الموقع (2019) بأن نحو 90% من مياه الزراعة جوفية، ومنها طبقاتٌ غير متجددة في بعض المناطق. وفي بلدٍ هذه حاله يكتسب الريّ الدقيق والإنذار المبكر أهمية خاصة، ويُتوقّع أن تحتاج النماذج المدرَّبة على مناخاتٍ أخرى إلى إعادة معايرة قبل أن تُعتمد، بنفس الدرس الذي بدأنا به. وللجامعات ومراكز البحث هنا فرصةٌ في بناء مجموعات بيانات وصور من بيئاتنا الحارة الجافة.

ما يُفعل

  • بياناتٌ زراعية يملك المزارع حقّ الوصول إليها ولا تُحتجز عند وسيط.
  • اختبار الأداة في الحقل المحلي قبل الاعتماد عليها، وطلب بيان دقتها خارج ظروف تدريبها.
  • قابلية التفسير، ليفهم المزارع سبب التوصية.
  • تدريب المزارعين والمرشدين على قراءة المخرجات ونقدها.
  • الحذر من محصولٍ واحد مربح يُفقر التنوع الحيوي.

والخوارزمية ليست هي التي تُطعم الناس، فالرزق من الله، وعلينا الأخذ بالأسباب وشكر النعمة وحفظها من الضياع. وإن أحسنّا استعمال هذه الأدوات فبقدر ما تحفظ الماء وتقلّل الضياع وتصل إلى صغار المزارعين، لا بقدر ما تُبهر.

المراجع

  1. FAO, World agriculture towards 2030/2050: The 2012 revision (via UNCCD library)
  2. WHO/FAO/IFAD/UNICEF/WFP, Global hunger declines, but rises in Africa and western Asia: UN report (SOFI 2025, 28 July 2025)
  3. FAO, SDG 12.3.1(a) Global food losses (Food Loss Index)
  4. S. P. Mohanty, D. P. Hughes, M. Salathé, Using Deep Learning for Image-Based Plant Disease Detection (2016), arXiv:1604.03169
  5. J. You, X. Li, M. Low, D. Lobell, S. Ermon, Deep Gaussian Process for Crop Yield Prediction Based on Remote Sensing Data, AAAI (2017)
  6. Fanack Water, Water use in Saudi Arabia (citing MEWA Statistical Book 2019)