الذكاء الاصطناعي والصحة النفسية: مساعدٌ يوسّع الوصول لا بديلٌ عن الإنسان
يبوح الناس لتطبيقٍ لا يملّ ولا يحكم. فهل يشفي ذلك؟ ما تقوله التجارب الأولى، وأين تتعثّر المحادثة العامة، وكيف نُحسن الانتفاع بها.

كبسولة نانودقيقة واحدة
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ نحو 1.2 مليار إنسان كانوا يعيشون باضطرابٍ نفسي عام 2023، وأنّ ثلث المصابين بالاكتئاب فقط ينالون رعايةً رسمية؛ ومن هذه الفجوة يأتي إغراء تطبيقات المحادثة. وفي تجربة منضبطة عام 2025 انخفضت أعراض الاكتئاب لدى مستخدمي روبوتٍ علاجي بنحو النصف في المتوسط، لكن تحت أنظار فريق البحث. وفي المقابل وجد فريقٌ بحثي في ستانفورد أنّ نماذج المحادثة العامة قد تُظهر وصمًا تجاه بعض الحالات وتخطئ في مواقف حرجة. فالأداة تنفع مساعدًا يوسّع الوصول، ولا تصلح بديلًا عن المعالج في الأزمات. والشرط: وضوح الحدود، ورقابة سريرية، وحفظ البيانات النفسية.
المقال مطولًا طيّ المقال
تخيّل أنّ الساعة الثالثة فجرًا، والبيت ساكن، وفي يدك هاتفٌ فيه محاورٌ لا ينام ولا يتبرّم ولا يحكم عليك. كثيرون يجدون البوح له أيسر من البوح لإنسان، وفي هذا اليسر نفعٌ ممكن وخطرٌ كامن. والسؤال الذي يستحق الجواب هو: ما الذي تقوله الأدلة حتى الآن؟
فجوةٌ تفسّر الإغراء
تقدّر منظمة الصحة العالمية أنّ نحو 1.2 مليار إنسان، أي قرابة واحدٍ من كل سبعة، كانوا يعيشون باضطرابٍ نفسي عام 2023. وتذكر أنّ أربعين في المئة فقط من المصابين بالذهان ينالون رعايةً رسمية، وأنّ ثلث المصابين بالاكتئاب فقط ينالونها، بحسب دراسة شملت 84 بلدًا بين عامي 2000 و2019. وتصف الأنظمة الصحية بأنها لم تستجب بعدُ لهذه الحاجة كما ينبغي.
حين تكون الرعاية نادرة، تغري أداةٌ متاحة في كل ساعة وبلا قائمة انتظار. وقد يضاف إلى ذلك الحرج الذي يشعر به بعض الناس من طلب العون، وهذا تقدير منطقي لا رقمٌ مقيس، لكنه يفسّر لماذا تبدو الشاشة أخفّ على النفس من الجلوس إلى مختص.
ما تقوله التجارب الأولى
أبرز ما نُشر حتى اليوم تجربةٌ منضبطة نشرتها مجلة «NEJM AI» في مارس 2025، قادها باحثون من جامعة دارتموث على روبوت علاجي يسمى «ثيرابوت» (Therabot). شارك فيها 106 أشخاص يعانون اكتئابًا أو قلقًا أو خطر اضطراب في الأكل، وقورنوا بمجموعة من 104 لم تصل إلى الروبوت. وبعد أربعة أسابيع من الاستعمال انخفضت أعراض الاكتئاب في المتوسط بنسبة 51%، والقلق بنسبة 31%، ومخاوف صورة الجسد والوزن بنسبة 19%.
والنتيجة تستحق الاهتمام، لكن ينبغي قراءتها بحدودها. فالعيّنة صغيرة، والمتابعة قصيرة، وكان فريق البحث مستعدًّا للتدخل إن ظهر خطر أو ردٌّ خارج الإرشادات. وقد قال الباحثون أنفسهم إنّ أيّ وكيلٍ توليدي ليس جاهزًا بعدُ للعمل باستقلالٍ تام في الصحة النفسية. فهي بشرى لبحثٍ جادّ، لا إذنٌ بالاستغناء عن المعالج.
حيث تتعثّر المحادثة العامة
الروبوت المصمَّم للعلاج وتحت الإشراف شيء، ونموذج المحادثة العامة الذي يحمله كل واحدٍ في جيبه شيءٌ آخر. وقد اختبر فريقٌ بحثي في ستانفورد (2025) نماذج لغوية كبيرة في مواقف تشبه جلسات العلاج، فوجدوا أنها تُظهر وصمًا تجاه بعض الحالات النفسية، وقد تردّ ردودًا غير مناسبة على حالاتٍ حرجة، كأن تشجّع تفكيرًا وهميًّا. ويرجّح الباحثون أنّ من أسباب ذلك الميل إلى مجاراة المستخدم. وظلّت المشكلات قائمة في النماذج الأحدث والأكبر.
وهنا يتّصل الأمر بما سبق شرحه في مقال «ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي»: نحن نميل إلى نسبة الفهم لما يحاكي كلامنا. وقد لاحظ جوزيف وايزنباوم (Joseph Weizenbaum) ذلك مع «إليزا»، البرنامج البسيط الذي طوّره في معهد ماساتشوستس للتقنية في ستينيات القرن الماضي، ثم صار من أشدّ المحذّرين من الاعتماد على الآلة في ما يخصّ الإنسان. والعلاقة العلاجية الحقيقية قائمة على حضورٍ إنساني يتحمّل مسؤوليته، وعلى معالجٍ يصارح مريضه أحيانًا ولا يكتفي بما يحبّ أن يسمعه.
ما يُفعل عمليًّا
الأقرب إلى الصواب أن نضع الأداة في موضعها، وهذه قواعد تُبنى على الأدلة السابقة:
- تكاملٌ لا استبدال: تتولّى الأداة المتابعة والتذكير والتمارين البسيطة، ويبقى التشخيص والعلاج بيد مختص.
- وضوح الحدود: يعرف المستخدم أنه يحاور آلة، وتحيله الأداة إلى مختص أو إلى خط المساندة المحلي عند أي إشارة خطر.
- تقييمٌ سريري قبل الانتشار: يُختبر التطبيق العلاجي كما يُختبر الدواء، ولا يكفي أن يكون شائعًا.
- حفظ الأسرار: ما يبوح به المرء في ضعفه من أخصّ بياناته؛ وفي مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي» تفصيلٌ لكيفية صونها.
وإن كنتَ أنت أو أحدٌ من أهلك يمرّ بضيقٍ شديد أو تراود أحدَكم فكرة إيذاء النفس، فبادر إلى مختص أو إلى جهة الطوارئ والمساندة في بلدك، ولا تنتظر ردًّا من تطبيق. وفي ديننا وقيمنا من التراحم وصلة الأرحام والعناية بالمبتلى ما يجعل الإنسان الحاضر أوّل العلاج، والتقنية خادمًا لهذا الحضور لا خصمًا له.
المراجع
- World Health Organization, Mental disorders — fact sheet (data for 2023)
- Dartmouth Technology Transfer, First Therapy Chatbot Trial Yields Mental Health Benefits (on Heinz et al., NEJM AI, March 2025)
- J. Moore et al., Expressing Stigma and Inappropriate Responses Prevents LLMs from Safely Replacing Mental Health Providers, arXiv:2504.18412 (2025)
- ELIZA — Wikipedia (على برنامج وايزنباوم وأثر إليزا)


