القطاعات والتطبيقات

المصنع الذكي: وعد «لا يخطئ» وما تقوله الأرقام

مصنعٌ يتنبأ بعطله ويفحص كل قطعة. لكن الخطأ لا يختفي حين تعمل الآلة بلا انقطاع، بل يغيّر شكله. ما الثابت من الأدلة؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد روبوتية تُوقّع وثيقة قرب ميزان العدالة ومطرقة القاضي

كبسولة نانودقيقة واحدة

يُسوَّق المصنع الذكي بوصفه مصنعًا لا يخطئ، والواقع أدق. فشبكة المنتدى الاقتصادي العالمي للمصانع الرائدة بلغت 189 موقعًا مطلع 2025، وتعلن نتائج مثل متوسط زيادة 53% في إنتاجية العمل لأحدث دفعاتها، وهي أرقام تعرضها الشبكة نفسها لا مراجعة مستقلة. والذكاء الاصطناعي لا يلغي الخطأ بل قد يجعله أصمت وأوسع انتشارًا إذا تعلّم النظام نمطًا خاطئًا. وتحذّر أدبيات الأتمتة منذ 1983 من أنّ إتقان الآلة يُضعف قدرة المشغّل على إنقاذها. فالمصنع الذكي يحتاج إلى بياناتٍ نظيفة ومشغّلين مدرَّبين ووضعٍ آمن يعود إليه الإنسان.

المقال مطولًا طيّ المقال 4 دقائق قراءة

«مصنعٌ لا ينام ولا يتأخر ولا يخطئ». عبارة تصلح إعلانًا، ولا تصلح وصفًا. وسؤالنا هنا: ما الذي يثبت من أثر الذكاء الاصطناعي في المصانع، وما الذي ما زال وعدًا؟

ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي في المصنع

تُزرع في المحركات والصمّامات والأفران مجسّاتٌ تبثّ قراءات الحرارة والاهتزاز والضغط. وتتعلّم النماذج من تاريخ هذه القراءات كيف يبدو الجهاز قبل أن يتعطّل، فتنبّه إلى الصيانة قبل وقوع العطل بدل الانتظار حتى ينكسر. وتفحص أنظمة الرؤية الحاسوبية القطع على الخط، وتتنبأ خوارزميات أخرى بالطلب وتعيد توزيع المخزون.

والمهم أن النظام لا «يفهم» المحرك كما يفهمه المهندس. هو يعرف أنّ النمط الفلاني سبق الأعطال في تاريخه، لا لماذا. وهذا نافع ما دام المحرك يشبه ما رآه النظام، ومضلِّل حين يتغير المحرك أو المادة أو الظرف.

ما الذي تثبته الأرقام

أوضح مصدر عام هو «شبكة المنارة العالمية» (Global Lighthouse Network)، وهي مبادرة للمنتدى الاقتصادي العالمي أُطلقت عام 2018 مع شركة ماكنزي. بلغ عدد مواقعها 189 في إعلان يناير 2025، وذكر المنتدى لدفعته الأحدث متوسط زيادة 53% في إنتاجية العمل، وخفضًا بمتوسط 30% في هدر المواد، وانخفاضًا بنسبة 25% في استهلاك الطاقة والمياه. وأشار إلى أنّ 77% من أهم حالات الاستخدام في الشبكة اعتمدت على الذكاء الاصطناعي التحليلي، و9% على التوليدي.

لكن هذه الأرقام مجمَّعة من المواقع المختارة نفسها، وتعرضها جهة هي من أنشأ الشبكة، ولا نعرف كيف قيست أو هل دُققت استقلاليًّا. فهي مؤشر على ما يمكن للمتقدمين، لا متوسط ما يحدث في المصنع العادي.

الخطأ لا يختفي بل يغيّر هيئته

نرى، تحليلًا لا إحصاءً، أنّ الخطأ البشري في خط الإنتاج التقليدي موزّعٌ ومرئي: عاملٌ يسهو فتخرج قطعة معيبة فتُكتشف. أما نموذجٌ تعلّم نمطًا خاطئًا أو غُذّي ببيانات ناقصة فقد يكرر الخطأ نفسه على آلاف القطع بثقةٍ كاملة. لذلك لا يكفي أن نقيس دقة النموذج يوم تركيبه؛ المهم مراقبته دوريًّا إذا تغيّرت المواد أو المورّدون.

وقد نبّهت ليزان بينبريدج (Lisanne Bainbridge) منذ عام 1983 في ورقتها «سخريات الأتمتة» إلى مفارقةٍ ما زالت قائمة: حين تُؤتمت أكثر العمليات يُترك للمشغّل ما يعجز عنه النظام، ولا يتدرّب عليه في العمل اليومي، فيضعف حين يُطلب منه. والخلاصة عندها أنّ الأتمتة تستلزم تدريبًا أكثر للمشغّل لا أقل.

الإنسان والمملكة في المعادلة

قدّر تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي «وظائف الغد 2025» (The Future of Jobs Report)، وهو استطلاع لأكثر من ألف صاحب عمل في 55 اقتصادًا، أنّ نحو 170 مليون وظيفة يُتوقع استحداثها ونحو 92 مليونًا يُتوقع زوالها بحلول 2030، بصافي 78 مليونًا. وذكر 40% من أصحاب العمل أنهم يتوقعون خفض القوى العاملة حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة المهام. وهذه توقعات أصحاب أعمال لا حقائق مقررة؛ وهي تعني أن السؤال الأجدر: أي مهارة نرفعها ليجلس الإنسان فوق الآلة لا تحتها؟

تسعى المملكة إلى تحديث قاعدتها الصناعية؛ فقد تحالف البرنامج الوطني لتطوير الصناعة والخدمات اللوجستية مع مركز دولي مقره سنغافورة لنشر «مؤشر جاهزية الصناعة الذكية» (SIRI)، وهدفه، بحسب خبر منشور في يوليو 2024، تطبيقه في 4000 منشأة صناعية. وهو هدفٌ معلن لا إنجاز مقيس بعد. ويبقى الأساس أن تكون بيانات مصانعنا ثروةً نحسن صونها وتحويلها إلى معرفة محلية، لا مادة خام نبيعها.

قواعد عملية لمن يدير مصنعًا

  • ابدأ بجودة البيانات قبل اختيار النموذج.
  • أبقِ القرار النهائي بيد إنسان مسؤول، وأعد تأهيل العاملين على الإشراف والصيانة والحكم.
  • صمّم «وضعًا آمنًا» يعود إليه المصنع حين تتعطل الأنظمة.
  • راجع النماذج دوريًّا، وحصّن الأنظمة سيبرانيًّا (انظر مقال «الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني»).

وقد علّمنا ديننا الأخذ بالأسباب والإتقان في العمل مع التوكل على الله؛ والمصنع الذكي المتقن هو من يجمع حسن الأخذ بالأسباب مع بقاء الإنسان يقظًا لا نائمًا في غرفة التحكم.

المراجع

  1. World Economic Forum, Global Lighthouse Network 2025: World Economic Forum Recognizes Companies Transforming Manufacturing through Innovation (14 January 2025)
  2. World Economic Forum, The Future of Jobs Report 2025 (digest)
  3. L. Bainbridge, Ironies of Automation, Automatica 19(6): 775–779 (1983), DOI: 10.1016/0005-1098(83)90046-8
  4. Daleel, Saudi Arabia embraces Industry 4.0 with SIRI adoption (14 July 2024)