متجرٌ يعرفك أكثر مما تعرف نفسك؟ الذكاء الاصطناعي في التجزئة
السعر الذي تراه على الشاشة قد لا يكون السعر الذي يراه جارك. ماذا يتغيّر في السوق حين تتعلّم الخوارزمية من نقراتك؟

كبسولة نانودقيقة واحدة
تقدّر ماكنزي (2023) أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف إلى قطاعَي التجزئة والسلع الاستهلاكية ما بين 400 و660 مليار دولار سنويًّا، عبر التنبّؤ بالطلب وتخصيص العروض وضبط المخزون. وللفائدة وجهٌ آخر: متجرٌ يجمع بياناتك قد يستعملها في عروضٍ وأسعارٍ تختلف من مشترٍ إلى آخر. وقد وجدت دراسات أن بعض المواقع خصّصت الأسعار أو ترتيب النتائج، لكنّ انتشار ذلك على نطاق واسع لم يثبت بعدُ. والمطلوب ثلاثة أمور: شفافية في التسعير والتوصية، وحمايةٌ فعلية للبيانات الشخصية، وأدواتٌ ميسّرة تتيح لصغار التجّار أن ينافسوا.
المقال مطولًا طيّ المقال
في ربيع 2014 أجرى باحثون في جامعة نورث إيسترن (Northeastern University) تجربةً بسيطة الفكرة: دخل مئاتٌ من المستخدمين الحقيقيين وحساباتٌ اصطناعية إلى 16 موقعًا تجاريًّا، وقورن ما يظهر لكلٍّ منهم. وجد الباحثون أن بعض المواقع تعرض أسعارًا أو ترتيبًا مختلفًا للنتائج بحسب الجهاز وحالة العضوية وسجلّ التصفّح والشراء، وأن الفروق بلغت في بعض الحالات مئات الدولارات. لكنهم وجدوا أيضًا أن معظم التجارب لم تكشف تمييزًا في السعر ولا توجيهًا إليه. تلك الصورة المختلطة هي أصدق مدخلٍ إلى الموضوع: إمكانٌ حقيقي، وانتشارٌ لم يُحسم.
من حدس التاجر إلى تنبّؤ الخوارزمية
لم تكن التجارة يومًا بعيدة عن التنبّؤ؛ فالتاجر الماهر يقرأ زبونه ويضع الصنف المناسب في متناول يده. الجديد أن الآلة تفعل ذلك على نطاقٍ لا يبلغه حدس فرد: تتوقّع الطلب على صنفٍ في فرعٍ بعينه، وتقترح على كل زائرٍ ما يناسب سجلّه، وتضبط ما يُطلب من المورّد.
وتقدّر ماكنزي (2023) أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف إلى قطاعَي التجزئة والسلع الاستهلاكية ما بين 400 و660 مليار دولار سنويًّا، أي ما يعادل 1.2 إلى 2.0% من إيراداتهما. ومن الإنصاف أن يُقرأ الرقم تقديرًا لإمكانٍ تقيسه نماذج المعهد، لا ربحًا حُقّق فعلًا.
حين يصير السعر رأيًا فيك
تتجاوز المسألة التوصية إلى التسعير. فقد نشرت لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية في يناير 2025 نتائج أولية لدراسة اطّلعت فيها على وثائق ست شركات وسيطة، تبيّن منها أن البرمجيات المتاحة للتجّار تستطيع استعمال مدى واسعٍ من بيانات المستهلك: موقعه وبياناته الديموغرافية وسجلّ تصفّحه وشرائه وحركة مؤشّر الفأرة وما تركه في سلّة الشراء دون إتمام.
غير أن اللجنة نفسها أوردت أمثلة افتراضية فقط، ولم تؤكّد وقائع بعينها لأسعارٍ فردية فُرضت على مشترين، وقد وصفت الدراسة نفسها بأنها جارية وقت النشر. فالقول الصحيح: القدرة موجودة وموثّقة، أما حجم استعمالها فيحتاج مزيدًا من الأدلة.
وليس كل اختلافٍ في السعر ظلمًا؛ فخصمٌ لعضوٍ أو لعميلٍ وفيّ مشروع. موضع الإشكال هو الإخفاء والتضليل، وفي فقه المعاملات أصلٌ راسخ في وجوب البيان وتحريم الغشّ. ومن هنا كانت الشفافية شرطًا لا زينة: أن يعرف المشتري متى تُعرض عليه توصيةٌ مدفوعة، وعلى أي أساسٍ تتغيّر الأسعار.
الجانب المضيء: طعامٌ أقل في القمامة
للتنبّؤ الجيّد بالطلب فائدةٌ لا خلاف عليها من حيث المبدأ: متجرٌ يطلب بقدر ما يبيع يرمي أقل. وحجم المشكلة كبير؛ إذ قدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (2024) أن العالم أهدر 1.05 مليار طن من الغذاء في 2022، أي نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين.
لكن توزيع الهدر يلطّف الحماس: فالبيوت مسؤولة عن 631 مليون طن، وقطاع الخدمات الغذائية عن 290 مليونًا، وتجارة التجزئة عن 131 مليونًا فقط. فذكاء المتجر يعالج الشريحة الأصغر، أما الشريحة الأكبر فمردّها إلى عاداتنا في الشراء والطبخ والتخزين. وفي الإسراف ما يستدعي المراجعة عند كل مسلم، شاكرًا للنعمة حافظًا لها.
البيانات والمنافسة
كل توصيةٍ دقيقة تقوم على بيانات المشتري، وهنا تتدخّل الأنظمة. ففي المملكة صدر نظام حماية البيانات الشخصية بالمرسوم الملكي م/19 (سبتمبر 2021)، وأتاح للفرد معرفة أوجه معالجة بياناته والاطلاع عليها وتصحيحها وطلب إتلافها إذا انتفت الحاجة إليها، واشترط الموافقة أو إتاحة الاعتراض لاستعمال البيانات في التسويق. وللتوسّع في هذا الباب انظر مقال «الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي».
أما أثر ذلك في المنافسة فاستنتاجٌ نقوله بحذر: المنصّات الكبرى تجمع من المعاملات ما لا يجمعه المتجر الصغير، فيُرجَّح أن تتسع الفجوة بين من يملك البيانات ومن يستأجر أدوات تحليلها.
ما يُفعل
- للمشتري: قارن السعر من أكثر من جهاز أو متصفّح قبل صفقةٍ كبيرة، وراجع إعدادات الخصوصية، ولا تعدّ التوصية الملحّة نصيحةً بريئة.
- للمتجر: اجعل التخصيص خدمةً للعميل لا استغلالًا للحظة ضعفه أو عجلته، وأعلِن سياسة التسعير بوضوح.
- للجهات المنظّمة: ترصد الممارسات الفعلية قبل أن تُبنى عليها أحكام، وتطلب الإفصاح حيث يلزم.
والسؤال الذي تحمله هذه الأدوات إلى كل بائع بسيط: هل يستعمل ما يعرفه عن زبونه ليخدمه، أم ليستفرد به؟ والخوارزمية لا تجيب عن هذا السؤال، بل يجيب عنه من يملكها.
المراجع
- McKinsey Global Institute, The economic potential of generative AI: The next productivity frontier (14 June 2023)
- Northeastern University News, Study: some online shoppers pay more than others (23 October 2014)
- U.S. Federal Trade Commission, FTC Surveillance Pricing Study Indicates Wide Range of Personal Data Used to Set Individualized Consumer Prices (17 January 2025)
- UN News, With 783 million people going hungry, a fifth of all food goes to waste (UNEP Food Waste Index Report 2024)
- Clyde & Co, Saudi Arabia issues Personal Data Protection Law (September 2021)

